
التعليم في هذا الوطن.. كما في غيره من المجتمعات العربية هو بلا شك في حاجة إلى إعادة نظر جدية في كل نواحيه.. بدءاً بتحديد أهداف واضحة للعملية التعليمية.. وانتهاء بالطالب والذي هو بلا شك محور وهدف أي تقويم أو تعديل في البرامج أو الأهداف التعليمية.
التعليم ليس ثقافة.. فالتعليم محدد بمرحلة زمنية معينة تتفق عليها – بما يشبه الإجماع – كل مراكز وهيئات التعليم في العالم.. ولها معاييرها.. ومقاييسها.. سواء من حيث الشهادة التي يتسلمها الطالب عند انتهاء الفترة التعليمية.. أو من حيث التصنيف الوظيفي.. الذي غالباً ما يكون رهن فترة زمنية محددة من التعليم، بينما لا توجد حدود أو زمن معين للثقافة.. والتي هي عملية ذاتية لا تخضع للمقاييس التي يخضع لها التعليم.
مما لا شك فيه أن تحديد الهدف في أي نشاط أو عمل.. يعتبر نقطة البداية.. والتي تنطلق منها الأهداف الأخرى.. وتلك هي المشكلة الأولى في مسارنا التعليمي.. فعلى الرغم من أن الذين يتلقون العلم في مختلف مراحله.. ليسوا بمعزل عن المجتمع.. كما أن المجتمع ليس بمعزل عنهم.. إلا أن العلاقة بين الاثنين شبه معدومة. فالنتائج الملموسة إلى الآن.. والمتدفقة إلى سوق العمل في الوطن.. تؤكد أن الأهداف التعليمية ليست محدة إطلاقاً.
فعلى الرغم من التأكيدات المستمرة من حولنا على دور الهيئات التعليمية في بناء الفرد.. وخلق الشخصية القادرة على مواكبة التطورات من حولنا.. ومسايرة تيار النمو والتقدم والسياق بالحقبة التكنولوجية. على الرغم من كل التصريحات.. والتي لا يخلو أي تصريح لأي مسؤول في وزارة التربية من إشارة إليها، إلا أننا.. وللأسف.. نسير في الاتجاه المعاكس لمرحلة التكنولوجيا والكمبيوتر.. ومن يرى غير ذلك ما عليه إلا أن يتصفح مناهجنا الدراسية.. والتي تترجم بكل تأكيد.. مدى فهمنا الخاطئ لأسلوب بناء الفرد والشخصية. فنحن لا نمل تكرار أهمية الإبداع لأي مجتمع كان؛ فأهمية الإبداع في أي مجال هي ما يميز المجتمعات المتقدمة عن غيرها من المجتمعات المتحجرة، وبطبيعة الحال، فإن الإبداع لا يكون إلا ببناء الشخصية المستقلة.. وهذا جزء من ملامح التخلف في مناهجنا التعليمية. خاصة وأنه قد جرى العرف في تقييم الامتحانات المدرسية.. إن مطابقة الإجابة حرفياً مع ما ورد في الكتاب.. هو مقياس الفهم والاستيعاب على الرغم من أن التكرار والترديد لا يعنيان ذلك إطلاقاً.. وإلا لاعتبر مرضى الـ “Idiot Savant” عباقرة ومبدعين.. وهو مرض عقلي يولد به الإنسان.. ويعطيه القدرة على تكرار كل ما يخزنه المخ.. وبحيث تصبح لدى المريض مقدرة خارقة على حفظ كل ما تقع عليه عينه أو تتلقاه أذنه.. دون أن تصاحبها القدرة على الاستفادة من مخزون المعلومات ذلك.. أو القدرة على معالجتها..
ومناهجنا الحالية.. لا تعمل على تلقين الطالب كيفية الاستفادة من المعلومة التي يتلقاها.. بقدر ما تحرص على تعزيز قدراته في ترديد المعلومة ولو لم يكن ذلك هو حال المناهج لما حوى كتاب التربية الإسلامية للصف الثاني الثانوي مثلاً.. ما يقارب 260 صفحة.. بالإمكان اختزالها في 50 صفحة فقط.. والخروج بالنتيجة المطلوبة نفسها ففي هذا الكتاب.. استهلك المؤلفون اثنتين وعشرين صفحة لشرح “الإيمان بوجود الله”.. تحدثوا فيها عن كيمياء الخلايا.. وعناصر الذرة.. وتكون الرياح.. وتشكل المطر.. وذلك أمر لا يشتت ذهن وجهد الطالب وحسب، بل ويعيق عملية الفهم والاستيعاب خاصة وأننا نحيا عصر الكمبيوتر.. وما يعنيه ذلك من سرعة الحصول على المعلومة.. إلا أننا – وكما سبق وذكرنا – نسير في الاتجاه المعاكس للتكنولوجيا.. فبينما كانت المناهج القديمة تحوي قدراً كبيراً من التركيز والتخصص.. تبتعد المناهج الجديدة عن هذه الخاصية.. والتي هي من سمات العصر الذي يعيشه طالب اليوم.. وما يعنيه ذلك من وجوب التأكيد على سرعة تداول المعلومة.
لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن العلاقة بين النظرية والممارسة هي أساس عملية التعلم لدى الإنسان.. وأن كل أمر يستعصي إخضاعه للممارسة يصبح عقيماً.. وبلا جدوى.. ومناهجنا بالذات تحوي الكثير من النظريات غير القابلة للممارسة.. سواء كان ذلك بسبب ضغوط اجتماعية، أو ظروف سياسية، أو قناعات أخرى يؤمن بها المشرفون على وضع المناهج. وبما أن ظروف عالمنا اليوم تحتم إدراجها ضمن المقررات والمناهج الدراسية.. حتى لا يتم عزل الطالب في هذا الوطن عن العالم المحيط به.. فإن عملية الحشو تصبح هي الأسلوب الوحيد في طرح مثل تلك المواضيع. وهي التي تدفع بمؤلف كتاب المرحلة الثانوية والذي سبق ذكره.. تدفعه إلى استهلاك كل ذلك الجهد.. لتفسير “المذهب المادي” في تحليل الوجود الإلهي.. والذي هو من النظريات الفلسفية القائمة في عالمنا.. سواء أدرجناها في مناهجنا أم لا.. هذا بالإضافة إلى أن مثل هذا الاسترسال قد يصح طرحه في كتاب للفلسفة.. لا في كتاب تربية إسلامية ولطلبة هم في الصف الثاني الثانوي.
الخلل في المناهج هو جزء من الخلل في التعليم في هذا الوطن عموماً.. وأهمية تقويم المناهج.. هي من أهم مراحل الإصلاح في العملية التعليمية لكونها المرحلة أو الخطوة التي تلتقي عندها كل الأطراف المشاركة في التعليم. في الدول الأخرى تجرى دوماً عمليات مراجعة وتغيير في المناهج التعليمية.. رغبة من تلك الدول في أن لا يبقى طالب العلم خارج نطاق التطورات من حوله عموماً.. لذلك فإن مناهجهم دوماً هي في اتجاه التطور والتكنولوجيا بينما نصر نحن على السير بعكس ذلك الاتجاه.
