الأرشيف

السياسة.. والوجوه من لندن إلى الكويت

[جريدة القبس 22/4/1992]

حين استقالت السيدة مارغريت تاتشر من منصبها كرئيسة وزراء.. إيماناً منها بأن ذلك هو الأسلوب الوحيد لتحافظ على وحدة وتماسك حزب المحافظين البريطاني.. كان ذلك في قمة مخاض المسألة الكويتية. حين أعلنت عن عزمها ترك المنصب والسلطة.. دب الذعر في قلوب الكثيرين من أبناء هذا الوطن وهم في انتظار السياسة التي سيأتي بها رئيس الوزراء الجديد.. والأهم من ذلك موقف تلك السياسة من قضية الكويت. كان لذلك الإحساس بالخوف من رحيل المرأة الحديدية والتي ساندت الكويت قولاً وفعلاً واستخدمت أسلوباً صارماً في تعرية النظام العراقي.. ولغة لا تقل عنفاً عن اللغة التي استخدمها النظام العراقي في مهاجمة (القوات الأطلسية) كان لذلك الخوف والذعر الذي انتاب أبناء الوطن ما يبرره.. فلقد اعتدنا في تاريخ وطننا العربي.. على المفاجآت التي يأتي بها أي تغيير في الوجوه المألوفة والمتربعة على سياسة لا تمت بأدنى صلة لما سبقها.. لمجرد أن تغييراً حدث واستبدل معه أحد الوجوه المألوفة. اعتدنا في الوطن العربي على دول تنام وهي في قمة الصدام مع القوى الإمبريالية.. البرجوازية.. إلخ إلخ.. وتصحو وهي في أحضانهم.. وبيدها قرارات تحول ذلك الصدام إلى وئام وانسجام.
ظاهرة السياسة (الترمومتر).. والقرار (اليويو) واقع تعيشه الأنظمة العربية بمؤسساتها السياسية.. والإدارية.. والأمنية.. واقع مرير يجعل التكهن بالمستقبل أشبه بضرب الرمل.. ويصبح معه التخطيط للمستقبل كقراءة الطالع.. نظراً لعمليات القطع والتأجيل لكثير من المحاولات الإصلاحية والمسيرات التصحيحية.. سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
ومما لا شك فيه أن العامل الذي يضمن استمرار سياسة (الترمومتر) في العالم العربي.. هو ظاهرة الفردية المتمكنة من كل جوانب الحياة.. فردية في الحكم والقرار السياسي.. فردية في إدارة اقتصاد الدولة.. فردية في إدارة مؤسسات الدولة.. فردية في وضع مقاييس ومعايير الأمن والأمانة للدولة وبما أننا في هذا الوطن.. جزء من ذلك الوطن الكبير.. فإن لتلك الظاهرة حضوراً قوياً، وهي واقع نعيشه ونعيه جيداً في هذا الوطن، فمن بعد الزلزال الذي عصف بالوطن.. وبعد تبعثر القشور والموانع التي كانت تغلف العيوب في مسار الوطن السياسي والاقتصادي والأمني، والذي سار عليه الوطن على مدى أكثر من أربعين عاماً.. هو عمر النهضة الحقيقية من تاريخ وطننا.. فقد أصبح الوطن الآن ولكل ذي نظرة بعيدة المدى.. مهدد المستقبل.. لما جاءت به تجربة الغزو من احتمالات خطر لم تكن واردة من قبل.. وأصبح المواطن أعجز من أن يتحمل المزيد من تبعات القرار الفردي والسلطوي الأوحد.. دون ضمانات كافية تكفل للمواطن مواجهة أي تجاوزات تصدر بحقه وأي تهديد وارد لأمنه ومستقبله.
وإذا كانت كل النظريات السياسية قد اتفقت على خطورة التفرد بالقرار.. وإذا كانت المجتمعات الديمقراطية قد أدركت حقيقة وفاعلية تلك النظريات.. فإن المواطن العادي قد لا يدرك جيداً تلك الحقيقة إلا إذا كانت ملتصقة بتفاصيل حياته اليومية. ليدرك بذلك أن العراقيل التي يجابهها في يوم عمله.. هي نتاج للعراقيل التي يجابهها وطنه ككل.. ففي مجتمعاتنا.. انعكس أسلوب الفردية في القرار السياسي على سائر الجوانب الحياتية. وجميعنا في هذا الوطن نعاني ونتذمر دوماً من التسيب الإداري.. والتجاوزات الإدارية.. وفشل كل خطط التطوير والتغيير.. وعدم ضمان أدنى قدر من التنافس في مجال الإنتاج والعمل. لا لشيء إلا لأن الوزير أصبح حاكماً في وزارته.. والمسؤول هو صاحب القرار الأوحد في إدارته، وأصبحت وزارات ومؤسسات الدولة تسمى بأسماء رؤسائها..
كلنا يعاني في هذا الوطن من عملية الارتجال الممارسة في توزيع المسؤوليات.. وكلنا يدرك جيداً نتيجة عملية التوسع والنمو غير المتوازنة لأجهزة الدولة الإدارية.. وجميعنا يعي الخطورة والعرقلة التي يسببها التضخم الوظيفي في مؤسسات الدولة.. لا لشيء إلا لأن عمليات التعيين في وزارات وإدارات الدولة أصبحت تحكمها (الشكلية).. فالمسؤول ينتقل من وزارة إلى أخرى مصطحباً (الجوقة).. والوزير عليه أن يراعي نقل أولئك الذين هم (محسوبون عليه) بحسب مفهوم التطوير الإداري الكويتي.
إن عملية نقل موظف من إدارة إلى إدارة أخرى… له أسس لا بد وأن تكون وثيقة الصلة بإنجازه وتدرجه الوظيفي.. لا أن تتم عملية النقل والتغيير لأسباب متصلة بمكانة الموظف لدى ذلك المسؤول.. أو ذاك الوزير.
أسلوب الفردية في الإدارة تعكسه بوضوح حركة التنقلات اللامدروسة تلك والتي غالباً ما تؤدي إلى فوضى في الهيكل الوظيفي لكثير من الأحداث الإنتاجية والإدارية.. لأنها تتم دون دراسة كافية.. ودون احتياج حقيقي.. ومن ثم فإننا نجد أن تلك التنقلات غالباً ما تزاحم وظائف قائمة فعلاً.. أو أنها تعمل على تكرار أداء موجود أصلاً.. وما قد يؤدي إليه ذلك من تضخم وتكدس وظيفي.. وما يتبعه من تمييع للمسؤولية وزيادة في فرص الإهمال والتسيب.
مؤسساتنا أصبحت تسمى بأسماء الأفراد المسيطرين عليها.. والوظائف أصبحت تُوَرَّثُ.. والإنفاق أصبح رهيباً لتغطية ظاهرة الخلل في الأداء الوظيفي.. وبالرغم من كل ذلك فإننا ما زلنا نتساءل عن أسباب التدهور في كفاءة العمل!! واللغز وراء قلة الإنتاج!!
إن المسؤول أو الوزير الذي يصطحب موظفيه معه أينما انتقل.. إنما يعني واحداً من اثنين: إما أن يكون أداء أولئك الموظفين سيئاً لدرجة أن غيابهم لم يحدث شغراً في أماكنهم السابقة.. أو أن يكون عطاؤهم مجدباً إلى درجة أنهم لم يضيفوا الكثير في سبيل تحسين أو تطوير المناصب الجديدة..
كل عمل لا بد وأن تكون له بداية سابقة.. وأي مسؤول أو وزير يفترض فيه أن يتم ما أنجزه غيره.. بحيث يكون مشرفاً على سياسة الوزارة الشاملة.. كي يتم التطوير في إطار متابعة ما تم إنجازه مسبقاً.. التطوير لا يعني أن على كل وزير أو مسؤول أن يسن قوانينه وقواعد العمل الخاصة به.. والممهورة باسمه.. فذلك هو أساساً كل ما تمارسه مؤسسات الدولة من تخبط إداري وهو العائق الأول أمام محاولات بعض المخلصين الجادة لتطوير الأداء والإنتاج. وفي الختام.. أود أن ألفت نظر القارئ المحترم للعلاقة بين ما أوردته في بداية حديثي من استمرار السياسة البريطانية في مساندة القضية الكويتية.. بالرغم من تغير الوجوه الذي حدث ونحن في فوهة البركان.. وبين عدم الاستمرار على سياسة إدارية واحدة ولو في أصغر مؤسساتنا.. وبالرغم من عملية تغير الوجوه هنا أيضاً..
العلاقة.. أيها القارئ العزيز.. علاقة بسيطة ومتناقضة في آن واحد. فالسياسة في بريطانيا ليست سياسة مارغريت تاتشر أو جون ميجور.. بينما الوزارة في الكويت هي إرث للوزير وسلالته.. والمنصب الإداري قصر على المسؤول وجرأته. أما التطوير الإداري فهو صعود سريع ومستقيم لسلم السلطة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى