غير مصنف

السياسة.. وأخلاقيات المهنة

[جريدة القبس 17/4/1995]

السياسة مهنة ما في ذلك شك.. ومهما كان شأن الفرد في الهرم السياسي، فإن هنالك أخلاقيات تؤطر التعامل في المجال السياسي وتنسقه، بحيث يصبح الخارج عن تلك الأخلاقيات مخلاً بالنهج العام.. وخارجاً عن إطاره الأخلاقي!!
والمحك الرئيسي لأي أخلاقيات مهنية يكون في إدارة الاختلافات، وهو الاختبار الحقيقي لها، لا إبان أوقات الصفاء والتوافق!!
وإذا كانت الحرب خدعة فإن السياسة حكمة!!
والحكيم هو دائماً المقر بخطئه والمتراجع عن ذنبه.. بل أن الحكيم هو الذي تكون بدايته دائماً من حيث بدأ سقراط حين أطلق كلمته الخالدة في أخلاقيات المهنة: “كن حكيماً واعرف نفسك.. اعرف أنك لا تعرف”.
قد نكون متفائلين إلى درجة استثنائية لو أننا طمعنا للوصول بأخلاقيات المهنة السياسية إلى مثالية “سقراط”!! وإن كنا متواضعين في مطلبنا إن نحن ناشدنا أطراف النزاع في أزمة المراسيم الحالية، بأن يلزموا جانب الحقيقة والعقلانية، وأن يقدروا المسؤولية القيادية والفكرية التي بحوزتهم!!
ذوو السلطة السياسية في هذا الوطن، أياً كان ترتيبهم في الهرم السياسي والمجتمعي، هم بلا شك يقفون الآن أمام امتحان عسير يمس أخلاقياتهم المهنية!! وبعيداً عن مثالية “سقراط” في تعريفه لأخلاقيات المهنة!! فإن المواطن يعي جيداً أن الساسة، تشريعيين كانوا أم تنفيذيين، هم بلا شك بشر قوامهم الخطأ!! وبحسب ذلك الاعتبار!! فإن الخلل الذي قد يصيب أخلاقياتهم ليس بسبب أخطاء هي واردة دائماً. وإنما في أسلوب التعامل مع تلك الأخطاء، وبشكل يؤدي إلى تقنينها والسيطرة عليها، لا إلى استفحالها وانتشارها! خاصة وأن السياسة في أدق تعاريفها تأتي بكونها فن إدارة الخلافات والنزاعات والتي هي أساس العلاقة البشرية!!
لقد استقرت أزمة المراسيم، كما هو واضح الآن، على تحديد من المخطئ ومن المصيب!! وتلك مسألة شائكة ولا شك.. خاصة في مجال القرارات والرؤى السياسية!! فالسياسة وإن كانت مهنة؛ غير إنها ليست علماً بالمفهوم المتعارف عليه للعلم!! فاحتمالات الخطأ والصواب في السياسة.. تفقدها جانباً كبيراً من تعريفها وتصنيفها العلمي!! وافتقادها للتجريد والموضوعية اللذين هما من ملامح “العلم” الرئيسية!! يجعلانها تحتكم لأحكام تقييمية ذات طبيعة بشرية لا تخلو من المزاجية والمصلحة الشخصية!! لذا فقد جاءت حكمة الحوار وتنقيح الديمقراطية.. لتوازن بين تلك المصالح المختلفة والمتداخلة!!
المواطن أصبح يستشعر روح التحدي القائمة، والتي يرفعها جناح الحكومة في محاولته لكسب جولة المراسيم!! وهي روح لا تتفق مع المفهوم والحس الديمقراطي!! فالسياسة وإن كانت ليست علماً بالمفهوم التجريدي والدقيق للعلم!! إلا أنها مهنة تحتكم في أخلاقياتها إلى براهين وأدلة تستمد قوتها من الاتفاق مع الصالح العام.. وحجم المردود المجتمعي!! وهو أمر غالباً ما تفتقده روح التحدي.. التي تتسم دائماً بالهوس، والاندفاع الذي يسلبها روح التأني والحكمة!!
قد لا يشغل بال المواطن من المخطئ في أزمة المراسيم ومن المصيب بقدر ما يشغله حقاً الأسلوب الذي تدار به الأزمة.. ولهجة التهديد والإنذار التي اصطبغت بها كلمات الكثير ممن يديرون زمام الحوار القائم!! فالخطأ بحد ذاته لا يشكل عقبة أمام الحوار!! بل بالعكس من ذلك تماماً.. فاحتمال الخطأ البشري هو الذي دفع المجتمعات إلى وضع نصوص تنظم عملية تداول أخطاء أفرادها بقصد تنقيحها والاستفادة منها!!
يبقى إذاً أن يحتكم المواطن في تقييمه للخطأ أو للمخطئ وللمصيب من خلال أخلاقيات تنظم عملية الحوار.. وتؤخر العمل السياسي كمهنة.. تهدف إلى تعزيز الصالح العام!! وتوزيع المنفعة والمصلحة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى