
في إطار التحولات الجذرية التي يشهدها العالم في يومنا هذا، تبرز قضية المناهج التعليمية كقضية جوهرية وحساسة في زخم ذلك الطوفان الهادر من المتغيرات والمستجدات.. وإذا كانت تلك التحولات في مجتمعات كثيرة في العالم من حولنا قد طالت أساسيات ومسلمات علمية وفكرية، فإنها في مجتمعنا العربي، قد تداخلت مع معتقدات هي في صلب تكويننا وانتمائنا العقائدي والعرقي، ومسلماتنا الوطنية التي تمس وجودنا وكياننا كعرب وكمسلمين.. وسواء كان ذلك من خلال التشويه الذي طال قضيتنا كعرب في وجه الاغتصاب الصهيوني، والاعتداء اليهودي على أراضينا ومقدساتنا، أو كان ذلك من خلال التجاوزات التي اقترفها البعض، كالنظام العراقي، والتي أخلّت بفكرنا الانتمائي العربي، وقناعاتنا الوطنية، وبتكويننا كأمة واحدة تنتمي إلى تاريخ واحد ومستقبل مشترك.
هنالك، ولا شك، رمادية في الرؤية، وتشويش في الإدراك، نعاني منهما كمجتمع كبار، ويؤرقنا وجودها وأثرها على مناخنا السياسي العربي بشكل عام. ونجدنا دائماً في محاولات مستمرة لصياغة تفسير مقبول ومنطقي لما يجري من حولنا من أحداث، وتغيرات، وجعلت من إسرائيل دولة صديقة (وأليفة) سياسياً وعسكرياً، والعراق دولة عدوة (وشرسة) سياسياً أيضاً وعسكرياً!
ما يقلق هنا أن تلك الضبابية في الرؤية قد عكسها البعض على مجتمع الصغار، وفرضها بصورة مؤسفة على المناهج التعليمية، والتي يتعين عليها أن تحوي من الموضوعية والتجرد ما يقيها جدلية ورمادية الرأي والرؤية والتي عادة ما يمارسها المجتمع خارج إطار المؤسسة التعليمية، ويعجز في أحيان كثيرة عن التوصل إلى رأي قاطع وثابت، يحسمها بصورة نهائية.. خاصة ما يتعلق منها بقضايا ومواضيع يحكمها عالم السياسة المتغير والمتبدل دوماً وأبداً.
في منهج اللغة العربية، للصف الثاني الابتدائي، أفرد واضعو المنهج قراءات لهذه المرحلة العمرية الغضة، تحوي صعوبة في الاستيعاب يعاني منها الكبار، ناهيك عن الصغار الذين هم في طور تكوين وتشكيل لكل ما سيبقى معهم ويرافقهم في رحلتهم الزمنية المستقبلية.
ففي درسين متتابعين، يتحدث أحدهما عن “اليوم الوطني”، يوم الاستقلال في الخامس والعشرين من فبراير ثم يتبعه درس آخر يتحدث عن “يوم التحرير” في السادس والعشرين من فبراير، مستعرضاً ما تعرضت له الكويت من “عدوان غادر” تخلصت منه بفضل الله ثم بمساعدة الأشقاء والأصدقاء.
قد لا ننكر على الأطفال حقهم في أن يعرفوا ما حدث، خاصة أنه يتعلق بمرحلة هامة من تاريخ بلادهم. لكن أسلوب العرض لتلك الأحداث، وتوقيتها الزمني المنهجي يجعلانها كالطلاسم بلا معنى!! فالاستقلال كما “التحرير” كلاهما مفهوم يتطلب تفسيراً ناضجاً وموضوعياً يستند إلى معلومات سابقة، وخلفية ناضجة وواعية ومدركة لأبعاد تلك المفاهيم وحساسية تعريفهما بصورة مجردة لا تتداخل فيها الآراء والتصورات المختلفة. وإذا كان من السهل نوعاً ما تقديم مفهوم معقد كالاستقلال لأطفال الثاني الابتدائي، فإن مفهوم “التحرير” يأتي معقداً، لأنه يشترط مسبقاً تعريفاً مجرداً وموضوعياً لـ”العدو الغاشم” الذي تم تحرير البلاد منه. وإذا كان التفسير الوحيد هنا للعدو هو العراق، فإن ذلك يحوي إسقاطاً لتفسيرات وتبريرات سياسية، هي دائماً عرضة للتغير والتبدل، كما هو حال السياسة دائماً، إسقاطها على إدراك ووعي ذلك الطفل، وفي هذه المرحلة العمرية الحساسة. وهو كذلك يحوي تناقضاً مع التكرار الإعلامي الدائم والمؤكد على أن “العراق” ليس عدواً، بل العدو هنا هو “صدام حسين”!
لعلّ أصعب ما في كارثة غزو النظام العراقي للوطن، ذلك العجز الذي أصابنا جميعاً في محاولتنا لفهم واستيعاب ما حدث. فالموقف بأكمله يحوي من الضبابية ما يشوش عقولنا نحن مجتمع الكبار الناضج، فكيف بأطفال لم يعيشوا الحدث ولم يعاصروه؟!
إن تسييس التعليم، وإقحام السياسة في المناهج التعليمية، كارثة تعاني منها المجتمعات العربية بشكل عام، وتجاوزها يتطلب قراراً ناضجاً مدركاً لأبعاد ذلك النهج ولمخاطره المستقبلية، وقادراً على أن ينأى بعقول صغارنا الغضة، عن أزماتنا وقناعاتنا السياسية البحتة.
