الأرشيف

السياسة السكانية

[جريدة الطليعة 1999]

بين مبعد عراقي وجراح فلسطيني
شاب عراقي الجنسية.. يعمل عامل بناء.. أب لأسرة مكونة من زوجة وخمسة أطفال جميعهم في سن التحصيل العلمي.. قدم إلى الكويت في منتصف السبعينيات.. عمل وعاش على أرضها.. ورفض العودة إلى وطنه الأم إبان أحداث الغزو.. استطاع وبمساعدة (أهل الخير) أن يحصل على إقامة له ولأسرته رغم أنه أبعد عن الوطن في قضايا أخلاقية قبل الغزو.. وهو الآن يبحث عن عمل يكسب منه عيشه وفي مقابل هذه الحالة.. هناك حالة أخرى لدكتور جراح قدم إلى الكويت في عام 59.. فلسطيني الجنسية.. لم يغادر المستشفى طيلة أيام الغزو.. ثابر على الصمود بين جدران المستشفى طوال أيام التحرير الأولى.. حيث الشح في كافة الخدمات.. وهو بشهادة زملائه.. يعد كفاءة يصعب الاستغناء عنها.. يعيش الآن هذا الدكتور الجراح وحيداً على أرض الوطن.. وبعيداً عن أسرته وأطفاله.. والذين لم يصرح لهم المسؤولون بدخول الوطن.. وبين هاتين الحالتين تكمن سياسة الوطن السكانية.. والتي يصعب علينا وبتناقضات كالتي ذكرناها.. يصعب أن نتبين لها ملامح واضحة ثابتة ومحددة.. عادلة ومنصفة بحق الوطن وحق المقيم.
بداية.. تجدر الإشارة هنا إلى أن المشكلة أو المأزق السكاني هو مأزق تتقاسمه كل دول الخليج على حد سواء.. نظراً للندرة السكانية التي تتميز بها هذه الدول.. مقارنة بالثروة النفطية وما خلقته من فرص عمل مغرية تفتقدها أغلب دول الجوار. ففي دراسة للتوزيع السكاني في منطقة الخليج.. أشار إليها الكاتب “عبدالرحمن النعيمي” في كتابه “الصراع على الخليج العربي”.. نقلاً عن إحصائيات وردت في ندوة العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي.. وفي نشرة الخليج الاقتصادية والمالية التي يصدرها بنك الخليج الدولي – البحرين في تلك الدراسة يشير الكاتب “النعيمي” إلى أن الموقف من السياسة السكانية في دول الخليج خاطئ وضار للغاية.. فالأرقام تقول أن التعداد السكاني يشير إلى تناقص نسبة السكان المحليين منذ السبعينيات حيث تدنت هذه النسبة من ٪61 عام 1975 إلى ٪55 عام 1987 من مجموع سكان دول مجلس التعاون.. مما يعني أن نصف السكان تقريباً من الأجانب.. وتصل هذه النسبة إلى أخطر حلقاتها في دولة الإمارات، وتتفاوت هذه النسبة بين الإمارات حيث تقل أيضاً في الإمارات الغنية النفطية عنها في الإمارات الفقيرة. أما على صعيد العمالة فإن الوضع أخطر من ذلك بكثير.. فقد تدهورت مساهمة المواطنين في قوة العمل من ٪54 عام 1975 إلى ٪38 عام 1986 على صعيد مجلس التعاون.. ووصلت أيضاً إلى أخطر حلقاتها في دولة الإمارات حيث تدهورت النسبة من ٪15 عام 1975 إلى ٪10 عام 1980 إلى ٪8 عام 1986.
وعلى الرغم من أن تلك الإحصاءات تتحدث عن هيمنة العمالة الأجنبية.. في مقابل العمالة العربية.. والوطنية في دول الخليج العربية.. إلا أنها دليل قائم يثير دوماً قضية سوء التخطيط السكاني في دول مجلس التعاون إجمالاً.. وإن كان الوطن وحتى مرحلة ما قبل الغزو.. من أقل الدول الخليجية استعانة بالعمالة الأجنبية.. نظراً لوفرة العمالة العربية والتي كانت جزءاً من التركيبة والبنية السكانية للوطن في ما قبل الغزو.. إلا أن سياسة (الثأر) من مواطني أنظمة (الضد).. تجعل الوطن يسرع الخطى نحو مجتمع تهيمن عليه العمالة الأجنبية.. إلى درجة تثير القلق.. وتستدعي الحيطة.. وتستوجب التصرف السريع.. لتدارك مخاطر الإحصائيات المخيفة التي سبق ذكرها.
إن تركيبة الوطن الاجتماعية والثقافية.. تحتم عليه.. وإلى فترة طويلة مقبلة.. استيراد غالبية قوة العمل نظراً للظروف السائدة.. والمتمثلة في عزوف العمالة الوطنية عن الكثيرمن الأعمال. وذلك واقع كان قائماً في فترة ما قبل الغزو.. وما زال هو الواقع المسيطر. إلا أن المستجدات التي فرضت نفسها في أعقاب الغزو.. جعلت من القائمين على وضع السياسة السكانية للوطن يستبدلون قوة العمل التي اضطرتها ظروف الوطن إلى المغادرة.. بعمالة أجنبية رخيصة ومتواضعة.. خاصة من دول أوروبا الشرقية.. أو بعمالة عربية من الدول (الأليفة) سياسياً.. والتي لا يشكل وجودها خطراً على الواقع السياسي في الوطن. فأغلب الدول الخليجية التي استعانت بعمالة أجنبية بدلاً من العمالة العربية.. كان دافعها الأساسي من وراء ذلك تخوفها من قيام العمالة العربية بالتأثير على الأوضاع السياسية في دول النفط الخليجية.. نظراً لتشابه الظروف بين تلك العمالة العربية والمواطن العربي الخليجي.. وسهولة الاتصال والتواصل فيما بين الطرفين.
لقد كان أثر ذلك التخبط في رسم سياسة سكانية للوطن.. وخاصة في أعقاب الغزو.. كان الأثر واضحاً في جهازين من أهم أجهزة الدولة.. وهما: الجهاز التعليمي.. والجهاز الصحي.. وبحيث كانا أكثر أجهزة الدولة تأثراً بمغادرة الكفاءات العربية.. والتي استطاعت أن تخلق فراغاً ما زال شاغراً.. زاد في تأزمه الانفتاح غير المدروس على الاستعانة بعمالة عربية اشتهرت دوماً بإدارتها الروتينية البطيئة.. مما يعتبر حجر عثرة في تطوير الأجهزة الإدارية.. وكافة أجهزة تلك الدولة نفسها.. ناهيك عن تطوير غيرها من الدول.
لقد فرض علينا واقعنا السكاني المتمثل بندرة البشر.. وواقعنا الاقتصادي المتمثل بوفرة الثروة.. أن نستعين بمن يقاسمنا النضال والعمل من أجل بناء الوطن.. ولكي نضمن عطاء مخلصاً وجاداً ممن يشاركنا العمل.. علينا أولاً توفير كل مقومات الحياة الأساسية لأولئك الذين اختاروا البقاء معنا.. والنضال إلى جوارنا.. خاصة بعد أن أصبح الوطن.. وبالمعطيات التي فرضها واقع الغزو.. خاصة الاقتصادية والأمنية منها.. أصبح أقل إغراء عما كان عليه فيما قبل الغزو.. وأصبحت الدول المجاورة تشاركنا إن لم نقل تفوقنا في مقومات استقطاب الكفاءات العاملة.
ولعلّ تذكرة سريعة إلى الحالتين اللتين ورد ذكرهما في بداية هذا المقال.. تؤكد مدى تفاقم المأزق السكاني خاصة في أعقاب أحداث الوطن.. ومدى التخبط الذي أصبح مصاحباً للسياسة السكانية.. (فأهل الخير) من هذا الوطن.. والذين لهم قولهم في سياسة الوطن السكانية.. يفتحون الطريق لعائلة من سبعة أفراد.. ما زالت تبحث عن مورد رزق تقتات منه.. يدرج أفرادها تحت فئة مواطني الدولة (العدو).. بينما يأبون نفس المعاملة لأفراد عائلة.. يدرج أفرادها تحت فئة دول (الضد).

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى