
في حديث يملأه الأسف، كشف الكاتب “محمد مساعد الصالح” عن استخدام اللجان الخيرية وبالتحديد “لجنة زكاة العديلية” لأموالها في أمور لا علاقة لها بالمصارف الشرعية للأموال التي تجمعها اللجنة!! وعلى الرغم من محاولة لجنة زكاة العديلية (شرح) موقفها، إلا أنها ولا شك فشلت في أن تخرج بمبررات وحجج دامغة وموفقة بما يتعلق بتلك الحادثة، بدليل رد بيت الزكاة على تعليق لرئيس لجنة زكاة العديلية!!
فبينما يُصرح رئيس هذه اللجنة بأن لجنة زكاة العديلية هي لجنة تخضع لإشراف ورقابة بيت الزكاة الذي شهد باتباع اللجنة للأصول واللوائح والضوابط المحاسبية!! فإن بيت الزكاة بدوره يعلن في رده على ذلك بأن علاقته مع هذه اللجان الخيرية هي علاقة تعاون وتنسيق فقط لا غير!! وحيث يعمل بيت الزكاة على تشجيع لجان الزكاة لتنفيذ إجراءات الرقابة المالية والتدقيق المعتمدة لديه!!
لجنة زكاة العديلية، هي لجنة تابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي، شأنها في ذلك شأن لجان زكاة أخرى كثيرة ممتدة على كل المناطق السكنية، وكل منها ينتمي ويتبع لجمعية دينية معينة!! وبالطبع فإن لهذه اللجان مرجعيتها الإسلامية فيما يتعلق بمستحقي الزكاة، وإن كان ذلك لا يمنع على الإطلاق من أن تكون لها شروطها الداخلية ومقاييسها الخاصة التي لا بد أن تؤثر على أولوياتها وعلى ترتيب وحقوق مستحقي الزكاة!!
لا شك في أن الزكاة ركن أساسي من أركان الدين الخمسة، ومن واجبنا كبلد مسلم الحفاظ على هذا الركن، والترغيب في بذل الزكاة ودفعها لمن نزلت بحقهم آية الزكاة، ممن تنطبق عليهم مواصفات ذلك الحق!! بل لقد اعتدنا ودائماً في هذا الوطن على تلك الدقة المتناهية من قبل المُزكين لتبين مدى حق الشخص في الزكاة، وذلك تحاشياً لأي لبس قد يحدث يُفقد الزكاة معناها ومغزاها الأساسي من وراء فرضها!! حتى أن البعض قد يمتنع أحياناً عن الاستمرار في دفع الزكاة لشخص ما، إذا ما زالت الظروف التي كانت تؤهله لذلك الحق، وإن أراد أن يستمر في مساعدته، فإنه يدفعها بعد ذلك تحت باب الصدقات لا الزكاة!!
وانطلاقاً من ذلك الحرص على الوفاء بهذا الركن كاملاً غير منقوص فقد أعلنت الدولة إنشاء بيت الزكاة ليكون الجهة المختصة والمسؤولة شرعاً وقانوناً عن تنفيذ ذلك الركن!! حيث تتوافر لدى بيت الزكاة الأجهزة والإمكانيات لاجراء المسح والبحث في سبيل تحديد أصحاب الحق ممن تنطبق عليهم شروط الزكاة!! ولعلها في ذلك تكون مشكورة لأنها تتحمل عبء وذنب أي خطأ في أداء الزكاة!!
قد لا ينكر أحد الدور الخيري الذي تلعبه لجان الزكاة الخيرية التابعة للجمعيات الدينية على اختلاف توجهاتها ومشاريعها، وهي وإن كانت تقوم مشكورة بتحمل عبء ومسؤولية توزيع الزكاة وتخصيصها، إلا أن ذلك لا يمنع من التركيز على وجوب أن تكون الزكاة مسؤولية جهة واحدة، تنظيماً وحرصاً على ذلك الركن الحيوي الهام من أركان الدين الإسلامي!! وتستطيع اللجان الخيرية أن تقوم بما تقوم به من خير وعمل جليل من خلال ما تتلقى من صدقات لا تحدها شروط قد تخلق ملابسات وتساؤلات!! خاصة أن باب الصدقات في هذا الوطن وهبات المحسنين المتقربين من الله ورحمته لا يقل وفرة ولا سخاء عن الزكاة!! وهم بذلك، أي اللجان الخيرية، ينأون بعملهم وبأدائهم الخير عن النزعة البشرية للحكم الخاطئ خاصة فيما يتعلق بأمر الفتوى في من يستحق الزكاة ومن لا يستحقها!! ويريحون أنفسهم من عناء ومشقة مسؤولية مثل ذلك التعتيم والانصاف الذي لا يشهد عليه غير الله.
ولقد بيَّن علي بن أبي طالب G صعوبة ذلك حين أرسل إلى بعض عماله يذكرهم بتقوى الله في الصدقة قائلاً: “وإن لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً، وحقاً معلوماً، وشركاء أهل مسكنة، وضعفاء ذوي فاقة، وإنا موفوك حقك فوفّهم حقوقهم، وإلا تفعل فإنك من أكثر الناس خصومة يوم القيامة وبؤساً لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين، والسائلون، والمدفوعون، والغارمون، وابن السبيل” انتهى.
لا شك في أن الزكاة هي ركن من أركان الإسلام الذي نافس بمغزاه وهدفه كل المحاولات البشرية الوضعية لخلق مجتمع متآلف لا تمزقه طبقية اقتصادية خانقة!! فعلى الرغم من كل النظريات الاجتماعية والاقتصادية الرامية إلى بناء مجتمعات متماسكة ومتراحمة، وعلى الرغم من كل محاولات الجمعيات الإنسانية والخيرية في العالم لدفع الأغنياء للمساهمة في رفع معاناة الأقل حظاً من أفراد المجتمع!! إلا أن الإسلام قد نافس ذلك كله واستطاع من خلال الزكاة أن يبني حداً معقولاً من الرحمة والتكافؤ، وأن شرع أمراً يدعو إلى مسؤولية أفراد المجتمع عن بعضهم البعض!! وهو أمر يدفعنا جميعاً لأن نحافظ على ذلك الإنجاز الإسلامي العظيم، وأن ننأى بالزكاة كركن من أركان الدين، عن كل احتمالات الخطأ والسهو البشري!! وأن نحقق بالزكاة مجتمعاً عجزت عن تحقيقه كل نظريات البشر الوضعية!!
