
ازدحمت الساحة الكويتية في نوفمبر بالمؤتمرات العديدة، أحدها كان “المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء التعليم العالي والبحث العلمي”، الذي طالب وفوده بتطوير الدراسة والأبحاث في الجامعات بالإضافة إلى مطالبات مشابهة اعتدنا سماعها من هكذا مؤتمرات وأصبحت أقرب إلى “الكليشيهات” الفارغة من أي محتوى ملموس وحقيقي!
من الواضح أن هنالك خلطاً مستمراً بين التعليم من جهة، والعقيدة من جهة أخرى! وأول مؤشرات هذا الخلط جاء في تسمية المؤتمر، حيث جاء المؤتمر إسلامياً برعاية وزراء تعليم وبحث علمي! ولعل هذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها الخلط بصورة كثيراً ما أدت إلى الإضرار بالاثنين معاً! والمناهج التربوية والتعليمية تؤكد ذلك، حيث وصل الخلط أقصاه في مناهج اللغة العربية والتربية الدينية!
من مانشيتات المؤتمر الرئيسية إعلان الأمين العام للجنة الوطنية الكويتية لليونيسكو حول مخصصات البحث العلمي في الدول العربية والإسلامية التي لاتزال أقل من ٪1، حيث أشار إلى أن هذه النسبة لن ترتفع – وذلك بحسب خبرته في الموضوع – إلا إذا كان هناك وعي شعبي بأهمية البحث والعلم والتكنولوجيا!
تمنيت لو أن وزراء المؤتمر أخذوا عينات عشوائية من مدارس الكويت وجامعاتها لكي يدركوا على ضوئها الأسباب الأولى لغياب القدرة البحثية بشكل عام لدى غالبية، إن لم يكن كل، المنتسبين للمؤسسات التعليمية، ولا أتصور هنا أن أياً من دول المنطقة يختلف وضعها التعليمي عن الكويت!
البحث العلمي يا وزراء ويا أفاضل أصبح مسألة نادرة لأسباب لا علاقة لها بميزانيات وإنما بعقول جرى تدميرها وتكبيلها بوسائل تعليمية جامدة وأثرية، بعقول ضحلة أمسكت بزمام قيادة قطيع الطلبة المساكين، وبمناهج سردية تخلو من أدنى مقومات التحفيز والاستثارة، سواء للعقل أو للتفكير المنطقي السليم!
العقل البشري بطبيعته هو عقل باحث وفضولي، لكنه في حالة مجتمعاتنا – وللأسف – أصبح عقلاً جامداً وعاجزاً، ليس عن إجراء بحث، وإنما حتى عن قراءة سؤال في اختبار بصورة صحيحة وذكية! ونحن قطعاً لن نستطيع أن نطور هذا العقل بالميزانيات والأموال وحدها! ولو كانت الحال كذلك لاستطاعت مراكز البحث العلمي ومؤسساته التي تستنزف أموالاً طائلة أن تؤهل لنا باحثين ومفكرين! وما أكثرها في مجتمعاتنا!
ففي الكويت على سبيل المثال تتشدق مؤسسة كمؤسسة الكويت للتقدم العلمي بدورها الرائد في رعاية الباحثين والنابغين والمتميزين! الذين على ما يبدو لم تلدهم أمهاتهم بعد، بدليل حجب المؤسسة المتكرر لجوائزها التقديرية.
إذا كان هنالك من لايزال جاهلاً بأسباب تخلفنا عن ركب البحث العلمي فما عليه إلا أن يقرأ ويتمعن في تصريحات المجتمعين في “المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء التعليم العالي”، ليدرك على ضوئها أن أزمة العقل العربي ليست في شح المال المتوافر لتحفيزه، وإنما هي أساساً في وعي وإدراك القائمين على رعاية وكفالة هذا العقل! وليتيقن أن أموال الدنيا كلها لن تخلق عقلاً سليماً ما دامت الآفة متأصلة في السلف قبل الخلف!
