السلام في التسلح.. لا الحد منه

السلام في التسلح.. لا الحد منه
لعل من أهم المشاريع التي طرحتها نهاية الحرب الباردة.. هو مشروع الحد من التسلح.. وهو مشروع يحمل في إطاره الخارجي بشائر تفاؤل وأمل. بأن هذا العالم المجنون قد أدرك أخيراً أنه أصبح يتجه نحو هاوية الفناء وبمحض إرادته ومشيئته.. إلا أن جانبه الآخر لا يشجع كثيراً على المضي في التفاؤل بصحوة العالم والبشرية وإدراك الخطر المحدق بها. فبالرغم من أن رئيس الدولة الأكبر الآن في العالم “كلينتون” قد طرح ضمن أولويات استراتيجيته للتغيير.. وقف التكنولوجيا النووية والكيميائية.. وتكنولوجيات القذائف إلى البلدان التي لا تملكها.. وتحويل ميراث الحرب الباردة إلى استراتيجية فعالة لعصر ما بعد الحرب الباردة.. إلا أنه غير ملتزم إطلاقاً بأخلاقيات عملية الحد من التسلح. فيؤكد في برنامجه على ضرورة عدم الإقدام بالمرة على تدعيم الطموحات النووية لأمثال صدام حسين.. ولكن دون أن يوجه الدعوة ذاتها إلى إسرائيل للتخلي عن قدرتها النووية التي تملكها.. بل دون ذكر مخاطر تنمية القوة الإسرائيلية.. في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت متآكلة بفعل الحروب والقلاقل.
إن سباق التسلح وجد من مراحله البدائية.. وإلى مراحله النووية كشرط مرتبط بظاهرة الصراع عموماً.. والتي وجدت منذ وجود البشرية.. وبحيث تطور من أدواته البدائية.. إلى بناء الجيوش والحصول على الأسلحة المتطورة.. وذلك حرصاً من المجتمعات على مصالحها وحفاظاً منها على وجودها. وقد لا نبالغ إذا ما قلنا أن سباق التسلح ذلك كان هو المانع الأول في نشوب حروب عديدة.. تفرضها طبيعة البشر. فمن خلال الردع المتبادل والذي كان قائماً بين القوتين العظميين.. أمنت البشرية مخاطر نشوب حرب عالمية ثالثة.. مما يعني أن توازن القوى هو جوهر الاستقرار.. وليس الحد من تسلح دولة.. في مقابل الإسراف في تسليح دولة أخرى.
بالطبع.. إن هذه ليست دعوة إلى ترويج السلاح.. بقدر ما هي تأكيد على أن مشروع الحد من التسلح لن يكون مشروعاً قائماً وواقعياً.. طالما أن محاولات الحد التي تفرض من الخارج تفتقد لأدنى مقومات العدالة..
فالحد من التسلح لكي يكون مشروعاً قابلاً للتطبيق.. لا بد أن ينبع من اتفاقيات وشروط يلتزم بتطبيقها كافة الأطراف.. حتى يمكن إيجاد توازن حقيقي.. مع مراعاة ألا يكون الحد من التسلح مفروضاً كأسلوب عقاب مرتبط بظروف مرحلة معينة.. ولكي نكون أكثر وضوحاً.. سنتطرق لأسلوب العقاب الواقع على العراق وليبيا.. والذي نستطيع أن نستنتج – ومن تصريحات الولايات المتحدة والدول الغربية – أنه عقاب أفراد.. بدليل تكرار الإشارة إلى إمكانية تغيير التعامل مع هذا الواقع.. من قبل الدول الكبرى.. في حالة تغير الظروف في كلتا الدولتين. وبحيث انتفت هنا الغاية الحقيقية والمبتغاة من وراء مشروع الحد من التسلح.
إن أسلوب فرض الحد من التسلح قد أثبت فشله تاريخياً.. فلقد فرض على ألمانيا من قبل في إطار معاهدة فرساي عام 1919.. وكأسلوب عقاب.. فرض عليها التخلي عن أسلحتها وقوتها العسكرية.. وبحيث دفع الانتقام فيما بعد بألمانيا إلى بناء قوة تفوق قوتها في الحرب الأولى.. واستطاع جيشها أن يهدد السلام العالمي بأكمله في حرب حصدت الملايين من البشر. وإذا كانت اليابان الآن.. والتي فُرض عليها في أعقاب الحرب الثانية ما فُرض على ألمانيا من قبل.. لم تشكل بعد خطراً مشابهاً للخطر الألماني إبان الحرب الثانية.. فإن التكهنات عن نمو القدرة العسكرية اليابانية في حالة عودتها إلى التسلح من جديد.. خاصة في ظل التطور التكنولوجي المذهل في اليابان.. هي تكهنات مخيفة ومرعبة.. تجعل من مشروع الحد من التسلح حلماً بعيد المنال.
قد تكون من أهم الترتيبات الأمنية التي شرعت الولايات المتحدة في تأكيد ضرورتها في أعقاب حرب الخليج.. هي ترتيبات منطقة الشرق الأوسط بأكملها وليس منطقة الخليج فقط وذلك لاعتبارات كثيرة قد يكون أهمها ما تتمتع به المنطقة من استراتيجية.. حيث أنها كانت ولا زالت حلقة الوصل بين أطراف العالم المتناهي.. إضافة إلى ضرورة التأكيد على حرص الولايات المتحدة على أمن واستقرار إسرائيل. لذلك فقد احتلت فكرة الحد من التسلح في المنطقة.. ومراقبة مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط.. أهمية وأولية في تلك الترتيبات الأمنية.
إلا أن العنصر الذي يجعل من تلك الترتيبات مشاريع بعيدة عن الواقع هو إصرار الغرب على نزع السلاح العربي.. مقابل تسليح إسرائيل. والذي من الممكن أن ينجح في فرض حالة مؤقتة من الاستقرار واللاحرب في المنطقة.. سرعان ما ستتغير بتغير الظروف التي فرضتها. إضافة إلى عنصر أساسي هنا يحول دون تحقيق سياسة الحد من التسلح.. وهو عنصر ذو علاقة بالخطر الحقيقي الذي تشكله مثل هذه السياسة على شركات ومصانع السلاح.. وهي شركات تملك نفوذاً أكبر من إمكانية السيطرة عليه.. فهو نفوذ يتغلغل في عمق أغلب أنظمة الدول الكبرى.. ولعلَّ قضية البنك الإيطالي.. وعملية تسليحه للعراق هي شاهد على ذلك.. بل والأكثر منه تورط إدارة المخابرات المركزية الأمريكية في عمليات التسليح تلك.
لعلَّ من أبرز العوامل التي ستؤدي إلى فشل إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط.. ومن ثم فشل أي مشروع للحد من التسلح في المنطقة.. يكمن في طبيعة الصراع في هذه المنطقة.. والذي لن تعمل سياسة الوفاق الدولي القائمة، الآن على إنهائه.. بقدر ما قد تعمل في السيطرة عليه إلى حد ما عملية التسلح المتكافئ وليس الحد منه.. ليصبح بذلك التسلح وليس الحد منه هو الضمان الوحيد لأمن دول المنطقة.
لعلَّ المخرج الوحيد لضمان بيئة أكثر سلاماً واستقراراً في منطقة الشرق الأوسط هي في خلق حالة من الردع المتبادل بين الدول الأكبر فيه.. مع توفير ضمانات دولية للدول الأصغر في المنطقة.. فالشروط الإسرائيلية والتي أصبحت مهيمنة وبكل غرور على مباحثات السلام الآن.. كان بالإمكان أن تكون أقل وقعاً وأثراً.. لو أن جيش النظام العراقي.. استمر كرابع أقوى جيوش العالم!
