شئون عربية

السلام القلق

“السلام القلق”

هناك نبرة أصبحت متكررة.. تتردد في الأوساط العربية عموماً.. وفي أوساط الوطن بوجه خاص.. بشأن الاتفاق الذي وقعه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية.. مع إسرائيل وبكون المشكلة فلسطينية أساساً.. لذلك فلا بد وأن يأتي القرار والحسم كذلك.. لا نريد أن نعيد تكرار الشعارات التي تربطنا جميعاً كعرب بفلسطين.. وبالقضية.. والتي نمت في قلوبنا وعقولنا معاً.. ناهيك عن مكانة القدس الشريف.. لب القضية الذي أصبح منسياً.. عن مكانته في قلب كل عربي ومسلم. يكفينا أن نتمعن في الكلمات التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكية “وارن كريستوفر“.. في سياق حملته لإنجاح وتطبيق الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي وحيث هدد بتشكيل ائتلاف دولي جديد لاحتواء.. ومعاقبة المعارضين للاتفاق.. مماثل للائتلاف الذي نظمه العالم لتحرير الوطن!! ولم يفت “كريستوفر” بالطبع أن يتعهد بمكافأة من أيدوا الاتفاق.. في مقابل معاقبة معارضيه.. حرصاً منه على تطبيق مبدأ العدالة الدولية!
تصريح وزير الخارجية الأمريكي.. يبدو أولاً مخلاً وبشكل واضح بشروط الديمقراطية التي تحرص أمريكا[/wiki] على وجه الخصوص حرصاً شديداً على مباركتها وحمايتها.. بل وتضعها عنواناً بارزاً لكل تحرك لها بدءاً بمعركة تحرير الوطن ضد ديكتاتورية بغداد.. ووقوفاً عند معاقبة الجنرال العنيد “عيديد”. كما يؤكد تصريح “كريستوفر” ثانياً.. حالة الخضوع والاستسلام التي أصبحت تعم العالم.. وليس المنطقة فحسب.. حيث لم نسمع أي ردود فعل للتصريح الأمريكي.. رغم جملة الاستفزازية.. والتي تمس مفهوم السيادة بشكل واضح. إلى جانب أن الدعوة التي وجهها الوزير الأمريكي إلى عقد مؤتمر فوري للدول التي ستمول “نجاح” الاتفاق تعكس مدى القلق الأمريكي من مضاعفات التأخير في تطبيق الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي ومدى تلهف الإدارة الأمريكية على إنجاح الصفقة.
لكن الأهم من كل ما سبق.. بل والمحزن جداً.. أن الإدارة الأمريكية تملك العديد من الأوراق المؤجلة.. والقضايا التي بالإمكان إثارتها لأي دولة تعارض الاتفاق.. وذلك يقيناً منها بوجوب الموافقة العربية الكاملة للاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي ومؤكداً بذلك على حقيقة وحدة المصير التي تربط الدول العربية.. تلك الحقيقة التي أصبح الشارع العربي حذراً تجاهها.. كردة فعل للصفقات الفردية التي أصبحت تتسابق عليها الأنظمة العربية.. والتي لولاها.. ما آلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن.
الوطن العربي.. الآن أصبح مليئاً بالثقوب.. التي تتسلل من خلالها كل الاتفاقات الاستسلامية.. تلك الثقوب التي لولاها.. ما أطلقت مندوبة أمريكا لدى الأمم المتحدة “مادلين أولبرايت” تهديداتها الصريحة.. والقائلة باستخدام القوة.. حين لا تكفي الدبلوماسية.. ولم تخفِ بالطبع “أولبرايت” في إشارتها تلك القلق الأمريكي من الإرهاب الإيراني.. الذي أصبح يعيق مهامها في الصومال!! ليس صدفة أن يأتي تصريح المندوبة الأمريكية في هذا الوقت بالذات. وبعد انقضاء أسبوع على توقيع الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي. فإيران هي واحدة من أكثر الدول معارضة للاتفاقية الموقعة.. و”حزب الله” في لبنان لا يزال يهدد ويتوعد.. خاصة بعد الأسلوب الذي تم فيه معالجة إحدى المظاهرات المعارضة للاتفاقية.. على الرغم من أن مثل تلك المظاهرات كانت تعم شوارع إسرائيل في ذات الوقت!!
الحرص الأمريكي على تنفيذ بنود الاتقاقية.. وعزمها على “إصلاح أو عزل الدول التي لديها قدرة على الارتداد والتي تعمل على تخريب استقرار وازدهار الدول الأخرى” وكما جاء في تصريح المندوبة الأمريكية.. هذا الحرص بدا واضحاً في محاولة الإدارة الأمريكية إثارة قضايا أخرى مع “إيران” بخلاف قضية مساندة الإرهاب.. لذلك فلم يكن غريباً أن تثار قضية مطالبة دول الخليج بالجزر في هذه المرحلة بالذات.. فتلك واحدة من أهم الأوراق التي بالإمكان استخدامها وبكل عدالة ضد أي رفض للاتفاق الموقع قد يصدر عن “إيران”.
ولم يفت وزير الخارجية “وارن كريستوفر” أن يذكر مراراً بذلك الحرص الأمريكي على عدم إفشال الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي.. لذلك فهو يؤكد حرصه على أن تبقى قوى الاعتدال في المنطقة أقوى من قوى التطرف..
وفي محاولة للتأكيد على ذلك.. فإن إشارة واضحة قد أرسلت إلى ليبيا.. إحدى الدول المعارضة للاتفاق بشأن فرض عقوبات جديدة مع انتهاء المهلة في بداية أكتوبر.. إذا ما استمرت ليبيا في رفضها التعاون في التحقيقات بشأن طائرتيْ الـ”بان أم” و”يوتا”. كما إن إشارة أخرى قد بدأت في طريقها إلى سوريا وذلك من خلال إثارة ملف اتفاق الطائف.. والتواجد السوري في لبنان.. إلى جانب تعليق اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة للبحث في مسألة الأسلحة العراقية.. والتي أثارت مؤخراً قضية المعلومات التي قدمها العراق عن الأسلحة الكيماوية.. وبكونها “غير قابلة للتصديق”..
في ظل ظروف كهذه.. لا بد وأن يجد عرفات مساحة شاسعة للتحدث عن انتصاره.. وسلامه الذي سينهي الآلام والمعاناة لشعبه.. كما ولا بد أن تجد الأنظمة العربية عذرها في النظام العالمي الذي اختل.. وميزان القوى الذي تأرجح للصالح الإسرائيلي.. وسيجد الغرب وأمريكا كل المتسع.. لزيادة النفوذ.. وعقد الصفقات التجارية منها والسياسية.. وسيبقى المعارضون للاتفاق يقاومونه بالرغم من تواضع الظروف المتاحة والاستعداد.. وسيرضى القانعون بالاتفاق بما سيأتيهم من معونات يديرون بها أعمالهم التي سيأتي بها “عرفات”.. ولكن السلام الحقيقي وحده سيبقى العاجز الوحيد في خضم كل هؤلاء القادرين على التكيف.. سيبقى وحده الرافض للإذعان والرضوخ.. فسلام يبنى على ظروف دولية قائمة الآن.. وقد لا تكون غداً.. فرضته أيادٍ اتسخت طويلاً.. فلم يعد بمقدورها العطاء النظيف.. لن يكون بإمكان مثل هذا السلام القلق.. أن يدوم طويلاً.. وسيأتي يوم تطرق فيه الأيادي الحمراء.. باب الحرية.. لندلف منه جميعاً.. لا الفلسطينيون وحدهم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى