
على مشاكل المنطقة
ماذا يمكن أن يعنيه حظر الحكومة السعودية للجنة ذات نزعة وتوجه ديني.. كإعلانها عن منع إشهار “لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية” والتي أُعلن عن تأسيسها في الثالث من مايو الحالي؟!!
قد لا يعني إجراء كهذا.. شيئاً على الإطلاق.. لو أنه حدث في ظروف مختلفة عن الظروف التي تعيشها المنطقة.. بل والعالم الإسلامي بأكمله الآن.. والذي يعيش تصعيداً خطيراً لدور الجماعات الإسلامية في الواقع السياسي العربي.. والإسلامي.
كما وقد لا يعني شيئاً.. إجراء كهذا يتخذ بحق نشاط ذي طابع ديني.. لو أنه صدر عن دولة غير المملكة العربية السعودية.. والتي يُنظر إليها كراعية لبيت الله.. وحرم الرسول.. ومحتضنة لكل القضايا والشؤون الإسلامية.
المملكة العربية السعودية.. ومنذ قيامها.. واستقرار الحكم فيها.. بدت ظاهرياً.. كأكثر دول المنطقة استقراراً.. وقد جاء ظهور النفط في المنطقة.. ليرسخ وبصورة أكبر.. حق المملكة السعودية في استمرار حالة الاستقرار تلك.. وبحيث كان من المحظور دوماً.. مناقشة أي عوامل اضطراب قد تحدث في المملكة.. علماً بأن تفادي الخوض أو حتى البحث في أي حالة فوضى أو اضطراب قد تظهر.. كان يأتي بإيعاز ومساهمة من الولايات المتحدة.. والغرب.. حرصاً من تلك الدول على ضمان الأوضاع الداخلية في المملكة. وقد تزايد ذلك الحرص الغربي.. خاصة.. مع سقوط الإمبراطورية في إيران.. وفقدان الغرب لشاه إيران.. الحليف الأكبر له. إضافة إلى عجز العراق.. كدولة غير مستقرة.. تملك من عوامل المشاكل والقلاقل.. ما أصبح ظاهراً.. ويصعب بمكان إخفاؤه والتستر عليه.. أو السيطرة على امتداده. وذلك العجز العراقي قلّص من فرصته في أن يرث الدور الإيراني السابق.. وعزز من الدور السعودي.. في مثلث الدول الكبرى في المنطقة.
وعلى الرغم من أن حظر “لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية” واعتقال أعضائها.. يعتبر أمراً بسيطاً للغاية.. خاصة إذا ما قورن بالحركات الإسلامية المجاورة.. والأساليب المتبعة في دول الجوار للسيطرة على تلك الحركات.. والحد من نشاطها.. إلا أن كون حدث كهذا.. اتخذ من المملكة مسرحاً لأحداثه.. واتباعه بردة فعل مباشرة من الحكومة السعودية.. قد أثار شكوك الكثيرين.. في حقيقة الحدث وجوهره.
لم تتضح أسباب إثارته وظروفها بعد.. خاصة وأن التعامل مع قضايا مثيرة للأمن والاستقرار من وجهة النظر السعودية.. كان دوماً يتم بصورة أكثر عنفاً.. بينما اتسم طابع التعامل مع مؤسسي “لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية” بالليونة نوعاً ما.. وحيث جرد المؤسسون من مناصبهم.. وأبعدوا إلى مدنهم وقراهم الأصلية.
المناخ السياسي والاجتماعي في السعودية.. وعلى الرغم من كل عوامل السرية والتكتم التي تحيط به.. إلا أنه ليس بأمر خاف على شعوب المنطقة.. وذلك بالطبع لا يعود إلى وفرة المعلومات وتبادلها.. فيكفينا أن نذكر أنه لا توجد إحصائيات ولا أرقام رسمية دقيقة لأكثر الأمور بداهة ووضوحاً.. كتعداد السكان السعوديين ونسب توزيعهم على سبيل المثال. لذلك المصدر الوحيد المتوفر لمعلومات عامة تتعلق بالحياة السياسية والاجتماعية في السعودية.. هو عبر ما يتلقاه المواطن الخليجي.. من خلال ظروف امتداده إلى أصول قربى أو نسب في المملكة.. يستطيع من خلالها أن يستشف شيئاً عن الأوضاع السياسية والاجتماعية فيها. فبينما عبرت وتعبر أغلب الدول الخليجية بنشاطات سياسية مطالبة بإحداث تغيير سياسي.. أو بديمقراطية وتعددية.. أو حتى بإعلان اتحادات أو نقابات أو جمعيات.. فإن المملكة تفتقر لكل تلك الأنشطة.. وهي وإن جاءت ففي حالات نادرة.. مقارنة بدول المنطقة الأخرى.. حيث أن أساليب التعامل العنيفة مع مثل تلك النشاطات.. قد قلص وبشدة من فُرص تكرارها أو بروزها. لذلك فإن مطالب متواضعة.. كمطالبة المرأة بحقها قيادة السيارة.. عبر شبه مظاهرة خرجت فيها بعض النساء السعوديات.. إبان فترة احتلال الوطن.. كان من شأنها أن تثير قلقاً ونقاشاً سياسياً كبيراً.. اعتبر تهديداً لأمن الدولة واستقرارها.
ونظراً لحساسية الدولة المفرطة تجاه أبسط الأمور السياسية.. فإن الكثير يميل إلى تفسير الإثارة لقضية “لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية”.. بكونه إثارة متعمدة لقطع الطريق على أي محاولات مشابهة.. خاصة بعد المحاولة التي أبداها بعض علماء الدين في مايو 1991.. من خلال بيان أصدروه.. عبروا من خلاله عن مطالبهم بتحقيق إصلاح سياسي واجتماعي جذري في المملكة.
قد لا تكون أي مقارنة نجريها بين الوطن والمملكة السعودية منصفة.. فعلى الرغم من حجم السعودية كدولة.. إلا أن التجارب التي عبر بها الوطن.. وخاصة السياسية منها.. بل وفرص النضج التي أتيحت للوطن بحكم موقعه السياسي.. وهي أكبر بكثير من حجمه الجغرافي.. لم تسنح الظروف لظهورها في المملكة بعد. وكل تلك العوامل قد ساهمت في خلق حالة من النضج السياسي والاجتماعي في الوطن.. إذا ما قورن بدول الخليج الأخرى بصفة إجمالية.. وهي عوامل أثرت في سائر نواحي الحياة سواء كانت اقتصادية.. أو فكرية.. أو اجتماعية.. وساعدت على تسليط الضوء على مشاكل المجتمع.. وهي مسألة نادرة البحث والنقاش في مجتمعات الخليج الأخرى.. بل وأن مناقشة مشاكل كتفاوت الدخل والفرص.. في المملكة مثلاً.. هي قضية قد تثير القلاقل وتخل بالأمن والاستقرار.
لعلها المرة الأولى التي يجري فيها الطرح العلني للمشاكل السعودية الداخلية.. حيث أن أغلب المشاكل كانت تتسرب إما بفعل حجمها.. وصعوبة التكتم عليها.. أو بسبب ارتباطها بقضايا أخرى خارج أسوار المملكة. وأياً كانت أسباب العلنية في طرح قضية “لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية” هنا.. فإن ما يسترعي الانتباه.. أن الأسلوب السعودي في التعامل مع هكذا قضايا.. قد يشكل تهديداً أمنياً مستقبلاً ليس على السعودية فحسب.. وإنما على المنطقة بأكملها.. ولنا في تجارب الدول العربية الأخرى.. خير مثال وعبرة.
الطليعة 26/5 – 1993/6/1




