قضايا الوطن

السعادة

السعادة

• اختلف الفلاسفة في تفسير مفهوم السعادة، ولكنها بقيت “اللذة الهادئة”
شهد العالم أخيراً احتفالاً باليوم العالمي للسعادة لعام 2015، وقد ظهر هذا اليوم العالمي في عام 2012، عندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عمل يوم عالمي للسعادة اعتباراً من عام 2013، والهدف الأساسي منه هو الاعتراف بأهمية السعي وراء السعادة.
تقرير الأمم المتحدة يقول إن دول الدانمرك والنرويج وسويسرا وهولندا والسويد وكندا والنمسا وفنلندا وأستراليا وأيسلندا قد احتلت المراكز العشرة الأولى، بينما أتت أفغانستان في أسفل القائمة، وتلتها غيينا ومالي!
المعيار الذي اعتمدته الأمم المتحدة يرصد مدى تمتع الدول بالحرية السياسية، وغياب الفساد، والصحة العقلية والجسدية للمواطنين!
لا أتصور أن المعايير التي وصفتها الأمم المتحدة قادرة على خلق السعادة، بدليل أن أغلب الدول التي احتلت المراتب العشر الأولى يعاني الناس فيها من كآبة كبيرة، حتى أن نسب الانتحار سجّلت معدلات قياسية في دولة كالسويد مثلاً!
لقد عجزت الفلسفة عن تحديد مفهوم السعادة، وامتلأت الأساطير والقصص بروايات تشير في حبكتها إلى مفهوم السعادة الحقيقي. فهل السعادة مثلاً أمر محسوس؟ بمعنى إذا أكلت لوحاً من الشوكولاتة وأحسست بالسعادة، فهل يمكن لها أن تستمر أم أنها تصبح مشروطة بتناول المزيد من الشوكولاتة؟!
وفق التحليل البوذي، فإن السعادة هي حالة ذهنية وبعيدة عن أي ارتباط بأمور حسيه بحتة، بل على العكس تماماً، فمصدر المعاناة والشقاء هو التشبث بالجسد كمادة قابلة للفناء والمرض والشيخوخة! وحيث يقول بوذا في إحدى تعاليمه: “إن منشأ هذه المعاناة الحتمية يرجع إلى الرغبات التي تمتلئ بها نفوسنا للحصول على أشياء خاصة لنا، إننا دائماً نرغب في شيء ما مثل السعادة أو الأمان أو القوة أو الجمال أو الثراء، أي إن سبب الشقاء وعدم السعادة هو الأنانية الإنسانية وحب الشهوات والرغبات المادية!”.
وللفلسفة الإسلامية كذلك نصيبها الوفير من تعريف السعادة، حيث يقول الفارابي: “إن النفس الإنسانية ليست هي صورة مادية، إذ هي غير منطبعة في المادة، إن السعادة أعظم الخيرات، وتحتاج إلى الفضائل النظرية والأخلاقية”.
أما الصوفية، فقد أبدعت في تعريف السعادة، فمنها ما عرف بظاهرة الحب الإلهي الذي اشتهرت به رابعة العدوية، ومنها ما عبّر عنه البسطامي بقوله: “إن الحق مرآة نفسي، لأنه هو الذي يتكلم بلساني، أما أنا فقد فنيت”، ومنها ما ارتقى إلى درجة الحلول كقول الحلاج: “أنا من أهوى، ومن أهوى أنا”، حتى وصل التصوف ذروته عند ابن عربي الذي أسس نظرية “وحدة الوجود”!
اختلف الفلاسفة إذاً في مفهوم السعادة، ولكنها بقيت، أي السعادة، اللذة الهادئة والمتميزة بالسكينة ورفض اللذات المقيّدة! بقيت الهدف الأول للإنسان، ولكنهم قلة جداً الذين عرفوا لها طريقاً!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى