
• الواقع في الخليج يعيش حياتين: واحدة في الجهر وواحدة في الستر، والثانية أقرب للصدقية، هذا ما تناوله كتاب منع من الدخول!
منع دخول بعض الكتب إلى البلاد أصبح مسألة غاية في السذاجة، فأفق المعلومة أصبح أوسع وأكبر من أن يحجبه موظف في وزارة الإعلام أو غيرها، ومع ذلك فإن الدولة لا تزال مصرة، على ما يبدو، على ممارسة المنع والحظر الذي لا يتعارض مع دستور الدولة وحسب، وإنما مع منطق الأشياء، وحركة التكنولوجيا التي فتحت حدود العالم بأكمله!
كتاب لأستاذ جامعي من بريطانيا تناول فيه واقع دول الخليج بشكل مجرد وموضوعي، بدأ بالتاريخ، واستعرض الحاضر، مستشرفاً المستقبل على ضوء هذين الزمنين!
كان بإمكان كتاب كهذا أن يكون مصدراً نرى من خلاله عالمنا الخليجي بعيون أخرى متجردة من أي التزام سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، لكنه الجهل والسذاجة إذا ما اجتمعا فإن المحصلة تكون كارثية وبكل أسف، لكنه الواقع!
ما أثار انتباهي في الكتاب أننا في أغلب دول الخليج، شعوباً وسلطات، نعيش حياتين أو واقعين؛ حياة في الخفاء وفي السراديب نمارس فيها المحظور والممنوع، وحياة أخرى مصطنعة نرسم من خلالها صورة غير حقيقية للمواطن الخليجي وهو يمارس أدق تفاصيل شؤونه اليومية!
ومن ضمن ما أثاره الكاتب على سبيل المثال، وهو ما يشرح جملتي حول الحياتين التي يعيشهما المواطن في الخليج، مسألة استهلاك الكحول في دول مجلس التعاون، التي ارتفعت في بداية عام 2011 لتصبح أعلى نسبة استهلاك في العالم، هذه الزيادة في إحدى الدول وصلت إلى ما يعادل 28٪! ولم يستثن من تلك الزيادة في استهلاك الكحول دولاً خليجية تحظر قوانينها جلب الكحول واستهلاكها! أما القمار، وهو قطعاً محظور في كل دول الخليج، فإن استثمارات بعض تلك الدول في بعض الشركات المساهمة في كازينوهات مشهورة قد ارتفعت لتصل إلى ما يقارب خمسة مليارات دولار!
المحزن في الأمر هنا، أن المواطن الخليجي أصبح مضطراً بسبب بعض القوانين العقيمة لأن يمارس حياتين مختلفتين، وبشكل أصبحت معه حياة السراديب أكثر صدقاً وألفة لدى البعض، وهو أمر انعكس ولا شك على شخصية هؤلاء المواطنين وعلى تعاملهم مع واقعهم خارج السراديب! والمشكلة الأعظم أن من وضع تلك القوانين مدرك جداً أنها تخترق وبشكل كبير، لكن العبرة بالنسبة لهم، وبكل أسف، هي وضع القوانين وسنها، بغض النظر عن إمكانية تطبيقها من عدمه! ولننظر فقط إلى قانون التعامل مع الأفراد المثليين من كلا الجنسين، فالقانون الكويتي نص على إلقاء القبض على أي متشبه أو متشبهة بالجنس الآخر في الأماكن العامة، وهو نموذج للقوانين التي تصدر ربما من دون أدنى رؤية أو استشراف لمدى قابليتها للتطبيق، أو لمعالجة الظاهرة المعنية! فقانون المثليين لم ينجح في معالجة هذه الظاهرة بل عمل على إخفائها في السراديب فقط!
نحن وبكل أسف، سلطات وشعوباً، نعمل وفقاً للموروث الشعبي الذي يدعو إلى “الستر” وليس إلى المواجهة ومن ثم المعالجة، وهذا ينطبق على واقعنا السياسي تماماً كما ينطبق على حالنا وشأننا الاجتماعي والثقافي والفكري!
