
ويعبر الوطن بكل فئاته.. مواطنين ومسؤولين، نحو منطقة أكثر نوراً ونهاراً.. وتتقطع سحب الغمام السوداء مفسحة المجال لقدر أكبر من ضياء الشمس.. ففي يوم العبور الكويتي.. عبر الوطن بأجمعه إلى مزيد من الإنجاز الحضاري.. يبدأ فيها مرحلة من النضال الوطني.. لا تقل شأناً عن النضال المسلح في مقدمة الجيوش وعلى خطوط النار في تنافس الديمقراطية.. لن نقول فشل من فشل.. ونجح من نجح.. وإنما نقول عبر إلى الصفوف الأمامية من رأت فيه الجماهير كفاءة أعلى للتقدم والتصدر.. واستقر الآخرون في الصف الثاني.. لا تقل أهميتهم عن أهمية الصفوف الخلفية في التنظيمات العسكرية.. ولا يقل شأنهم عن شأن من تصدر من غيرهم.. ليبدأ الجميع مرحلة جديدة في بناء الوطن.
الآن.. وقد قال الوطن كلمته.. وأعطى ثقته لمن يأمل فيه ضمن التقدير وجدية العمل.. يتسلم مجلس الأمة الأمانة.. وإرث سبع سنوات من التفرد بالرأي والمسؤولية.. فالتركة ثقيلة والعبء كبير.. والعفن أصاب ما أصاب من جسد الوطن.. والفساد تسلق أجهزة الدولة.. فتراكمت المشاكل وتضخمت في غياب السلطة التشريعية.. وانعدام الرقابة الشعبية.
فهنالك التوتر الاجتماعي الذي خلفته كارثة الغزو المشؤوم.. وهناك المشكلة الاقتصادية التي تفجرت بسبب حرائق النفط.. والتسيب الذي صاحب مفهوم إعادة البناء والإعمار.. والذي تنافست على انتهازه بعض العناصر اللامسؤولة.. وتحت سمع المسؤولين ونظرهم لتحقيق مكاسب فردية.. وهنالك قضية التركيبة السكانية الشاذة الناتجة عن التخبط في تطبيق القوانين.. وهناك المعضلة الأمنية وحماية الحدود.. وعملية التنسيق مع الدول المجاورة.. وهنالك قضية التعليم ووسائله المترهلة التي لا تتماشى مع طبيعة المستجدات العلمية العصرية.. وهناك ضحايا الحرب من أسرى ومعوقين وأسر شهداء.. هنالك من المشاكل ما قد لا يتسع مجال الدورة الحالية لتغطيتها كلها، وهي جميعها قضايا تتطلب مواجهتها حزماً وجدية وصراحة تامة.. وترجمة حقيقية للثقة التي أولاها المواطن للنائب.
إن نجاح التجربة البرلمانية هذه المرة لا يعتمد فقط على إنجاز من حظي بشرف خدمة الوطن في المجلس فحسب.. وإنما هي مرتبطة أيضاً بمدى قدرة المواطن – والذي أعطى للنائب الثقة – مدى قدرته على المتابعة والمراقبة.. وتقييم إنجاز النائب.. تقييماً موضوعياً بعيداً عن أي عوامل ذاتية وشخصية، فالأمانة تقتضي من المواطن كمسؤول عن متابعة الإنجاز.. أن يكون التقييم على أساس من المصلحة العامة لا مجال فيها للمنافع الشخصية.. ولا لتحقيق الغايات المحدودة والقصيرة النظر.
إن طرح القضايا الملحة والجادة.. واتخاذ الإجراءات بشأنها هو الذي يبين معدن النواب الحقيقي.. فدور النائب أن يكون أميناً وصادقاً عند التطرق لقضايا الوطن.. لا مثيراً لقضايا فرعية وهامشية.. يشغل بها الآخرين عن القيام بدورهم. فعلى الرغم من أن وجهات النظر المتعارضة بين الاتجاهات المختلفة ضمن المجلس.. هو أمر مشروع وديمقراطي.. وليس دليلاً على ضعف المجلس ولا سبباً له.. إلا أنه من الضروري أيضاً أن يكون هناك قدر من التماسك حتى يؤدي المجلس ما عليه من دور تشريعي ورقابي.. فقضية الديمقراطية ليست فقط في سلامة الانتخابات وتشكيل المجالس.. وإنما هي أيضاً في الدور الذي تقوم به تلك المجالس المنتخبة.
قد تكون الأعباء التي يحملها مجلس الأمة الحالي أثقل مما حملته المجالس السابقة.. نظراً لما استجد من ظروف ومعطيات، ليس ضمن إطار الوطن فحسب وإنما في العالم ككل. مما يتطلب أسلوباً جديداً في بناء الوطن.. متماشياً مع تلك المستجدات، لذلك فإن إعادة البناء الآن تتطلب وقفة جادة ومسؤولة لمراجعة وتقييم المرحلة السابقة قبل استقراء المرحلة القادمة.. حتى تكون معاقبة وتدارك الأخطاء والسلبيات في المسيرة السابقة جذرية وحاسمة، ولا حاجة بنا لذكر السلبيات هنا.. فهي من الكثرة بحيث تختلط في أحيان كثيرة مسبباتها.. فمن فساد.. وإمكانيات مهدورة إلى قضايا اجتماعية معلقة.. وبنية تحتية مؤجلة.
إن الانتقال في أي مجتمع من وضع إلى وضع آخر أفضل مما سبقه.. يرتبط بعوامل كثيرة.. لعلَّ أهمها مدى رغبة المجتمع الحقيقية في الانتقال إلى الوضع الأفضل.
فمهما كانت تراكمات المرحلة السابقة.. ومهما بلغت من قوة في فرض نفسها كواقع.. تبقى الإرادة الإنسانية في الانتقال هي المحور الأساسي والقادر على تسهيل ومن ثم تعجيل عملية الانتقال. وحين نتحدث عن الإرادة الإنسانية.. فنحن نعني حقيقة عزم من تصدر في مجلس الأمة للقضاء على كل ما كان يؤجل عملية انتقال الوطن للوضع الأفضل.. سواء فيما قبل أو فيما بعد الكارثة، وهو ما يجب أن يضعه المواطن في عين الاعتبار حين يشرع في تقييم أداء النائب.
إن السلبيات والأخطاء في أي مجتمع ما هي إلا حالات طارئة يمكن التصدي لها.. فهي ليست قدراً مفروضاً لا يمكن تداركه.. ولا هي طبيعة جُبل عليها المجتمع فاستعصى تقويمها.. ومن أجل معالجة تلك السلبيات.. والنهوض بالوطن.. أولى المواطن ثقته للنائب.. والذي عليه أولاً أن يستوعب الوضع الذي نعيش فيه.. حتى يكون لما يتخذه من قرار صدى وفاعلية.. وحتى نحقق جميعاً نقلة نوعية صحيحة.. تحقق للوطن انطلاقة جديدة.
