
يعيش الإنسان حياته في سباق شرس مع الزمن! كل شيء منذ مولده وحتى رحيله مرهون بالساعة والدقيقة، وأحياناً الثانية! والأقوال المأثورة التي تحث على تتبع الزمن وساعاته ودقائقه هي أكثر من شائعة، وفي كل الثقافات! فالزمن كالسيف إن لم تقطعه قطعك! ولا تؤجل عمل اليوم إلى الغد
دقـــــات قـــلــــــــب المـــــرء قـــــائــــــلـــــة لـــــه
إن الحــــــيـــــاة دقــــائــــق وثـــــــــوانٍ!
وغير ذلك الكثير الكثير!
العلم هو الآخر تناول الزمن من زاوية علمية بحتة! فالزمن عند “نيوتن” كان مطلقاً وثابتاً! والزمن عند “أينشتاين” نسبي وغير قابل للثبات! وكلها نظريات لا يزال العلم والعلماء يجادلون فيها ويبحثون في تفاصيلها!
في علوم الميتافيزيقيا، أو ما وراء الطبيعة، لا وجود للزمن! فلا هو نسبي كما أعلن “أينشتاين” ولا هو بثبات نظرية “نيوتن”! بل إن علوم ما وراء الطبيعة ترى أن الزمن اختراع بشري بحت! وأن معاناة الإنسان وهمومه هي أساساً بسبب دائرة الزمن الضيقة التي سجن الإنسان نفسه في داخلها!
يرى المتصوفة أن الصوفي هو ابن اللحظة الراهنة، ومن قبلهم قال المسيح عليه السلام “إن الذي يضع يده في محراثه وينظر إلى الوراء – بمعنى الماضي- لا يستحق مملكة الجنة”.
كما تؤمن فلسفة الزن Zen.. بأن قمة الارتقاء والتجرد لا تأتي إلا من خلال الإيمان بأن اللحظة الراهنة هي الحقيقة الوحيدة في ميزان الزمن!
ولقد انطلق هؤلاء جميعاً من مبدأ أن معاناة الإنسان كلها تكمن في تشبثه بذلك الميزان الزمني البشري، فنحن جميعاً إما مهمومون بالماضي وأحداثه، أو متأملون في المستقبل وتفاصيله بصورة تجعلنا نغفل جمال اللحظة أو الزمن الحاضر!
قد يرى البعض أن مثل هذا التصور بعيد كل البعد عن الواقعية والمنطق، وأن الزمن بتسلسله، هو الذي يحدد هوياتنا وشخصياتنا، وينظم شؤوننا الحياتية! وهم هنا يخلطون بين الزمن العقلي، والزمن الافتراضي! فنحن باستطاعتنا أن نلجأ للزمن لتدبير مواعيدنا وشؤوننا المعيشية، وذلك عندما تقتضي الحاجة! لكن الذي يحدث في السلوك البشري أن الإنسان يقضي حياته إما مسترجعاً ذكريات ماضية سواء حزينة أم سعيدة، وإما أن يرسم بعقله صوراً للمستقبل الذي يريده أن يكون وأن يتحقق! وفي كلتا الحالتين فهو يحبس نفسه داخل دائرة زمن لا وجود له أساساً، أو أنه انقضى وانتهى، وبصورة تجعله لا يرى ولا يشعر باللحظة الراهنة أو اللحظة الحقيقية الوحيدة في مسار الزمن!
ومن سخرية الأمور أن الإنسان يدرك في أعماقه جمال اللحظة الحاضرة، لكنه لا يعرف الطريق إليها! لذلك فهو يمارس أحياناً بعض الهوايات الخطرة كتسلق الجبال، أو التحليق في الهواء، أو قيادة سيارات السباق، لأن ذلك يجبره على أن يعيش اللحظة الراهنة، لأن أي انحراف عنها ستكون تكلفته الحياة!
نحن جميعاً وبكل أسف لا نعرف كيف نعيش اللحظة الحاضرة، لذلك فالإنسان لا يستمتع بأكل ولا طبيعة ولا شيء على الإطلاق، لأنه يأكل ويعيش وعقله يهرول بين الماضي والمستقبل، فيبقى دائماً أسيراً لوهم الزمن!
