الأرشيف

الزمن لا يسير إلى الخلف!

[جريدة القبس 2013]

على الرغم من تمرير قانون منع الاختلاط في الجامعة والتعليم الخاص، فإن الجميع بمن فيهم مقدمو ومهندسو المشروع مدرك جيداً أنه قانون غير قابل للتطبيق، وأن الهدف من وراء إثارته والإصرار عليه، هو هدف سياسي انتخابي بالدرجة الأولى.
القانون إذن يرفضه المنطق وينبذه العقل، وكان الاستفتاء عليه في جلسة مجلس الأمة الأخيرة قد أدى إلى انتكاسة مؤسفة ومحزنة في تفكير ورؤية الغالبية من أبناء هذا الوطن.
ما يحز في النفس هنا، ويؤلمها، أننا وبعد هذه المسيرة الطويلة في تاريخنا الغض، يتراجع وعينا، وينحدر إدراكنا لأولويات البناء والتنمية، ويضيع هباء جهد البناة الأوائل، وسعيهم لدفع الوطن إلى مسيرة النهضة والمعرفة والتقدم.
نعم، نحن تراجعنا كثيراً حيث خلفنا الأولون من الرواد والرائدات. ونحن لا شك انحدرنا بطموحاتنا، وتطلعاتنا لبناء وطن صلب، واثق الخطى.
ولا مبالغة هنا في قولنا هذا، فما أسفرت عنه جلسة مجلس الأمة الأخيرة، والتي حسمت منطق العقل والنهضة، لصالح منطق التخلف والجهل، هو انتكاسة في مسارنا، ونكوص في طموحنا ووعينا.
قد لا يهم الآن كثيراً أن طبق قانون الاختلاط أم لم يطبق، فيكفينا شراً هنا أن الأغلبية من رواد الوطن ودعاة “الديمقراطية” و”التقدمية” قد رفعوا راية الجهل والخرافة، وأمنوا بعد أن صوتوا قبولاً بالقانون، بمنطق أبي جهل، وتقاليد الوأد!
المضحك المبكي في نكسة الاختلاط، أن البعض أعلنها نصراً للفضيلة، وإعلاء لراية الدين والحق، بينما يلهث هذا البعض نفسه في الدفاع عن منتهكي حرمة المال العام، والعابثين بحقوق الوطن والمواطن.
المؤسف في قضية الاختلاط أنها كانت أشبه بالمرحلة الأولى للانتخابات، حيث حسمت تلك الجلسة بصورة شبه مؤكدة، الداخلين والخارجين من مجلس الأمة، وذرت الغبار والأتربة في وجه المتسائلين من المواطنين عن جهود نوابهم الأفاضل ووعودهم في الفصل بقضايا حساسة، بقيت كلها عالقة بانتظار جولة جديدة من الحياة والمناخ البرلماني. الزمن لا يسير إلى الخلف، والمستقبل لا ندركه إلا إذا عايشنا وفقهنا يومنا وحاضرنا. والزمن في هذا الوطن لا شك يقول بأضحوكة هذا القانون، خاصة بعد أن قطعنا شوطاً في بناء مجتمع ذي شقين، سواء كان ذلك في محافل العلم، أو في ساحات العمل، وعبرنا مرحلة مشهودة في تشييد وبناء علاقات ناضجة وواعية لمجتمع يشمل كلا الطرفين. عادة ليس للقوانين سطوة تُذكر في إعادة المجتمع إلى الوراء، وإن كان للقوة وللعنف دورهما الذي شهدناه في محاولات مشابهة حدثت وتحدث في إيران، والجزائر والسودان.. لتطبيق منطق الفصل.. واللاإختلاط! وهو واقع لا شك، لذا نربو بمجتمعنا ووطننا أن ينحدرا إليه ولا يتمنى أحد منا كائناً من كان أن نجبر الزمن على الرحيل إلى الخلف، وبالقوة والعنف أيضاً، فنعارض العقل والمنطق مرتين لا واحدة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى