الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

الزعيم الأوحد

الزعيم الأوحد

تولع الياباني نوبواكي نوتوهارا بالثقافة واللغة العربية، فدرسها وأتقنها، وظل متابعاً للرواية العربية على مدى أربعين عاماً، أقام مع الفلاحين في مصر، ومع البدو في بادية الشام، ودفعه ولعه بالثقافة العربية إلى تدوين مشاهداته في كتاب حمل عنوان “العرب وجهة نظر يابانية”.
تناول الكتاب غياب العدالة الاجتماعية في العالم العربي، حيث تتعرَّض حقوق الإنسان للخطر، ما يجعل الفرد هشاً وساكناً وبلا فاعلية، لأنه يعامل دائماً بلا تقدير لقيمته كإنسان، كما تحدَّث في كتابه عن غياب الديمقراطية الذي يعزز القمع، وحيث يحكم الحاكم العربي مدى الحياة في الدولة الدينية أو الملكية أو الجمهورية أو الإمارة أو السلطنة!
أما أبرز ما تناوله نوبواكي نوتوهارا في كتابه، فقد كان في فكرة الخلود والحاكم، والتي يرى أنها تنطلق من ثقافة دينية، ويقارن بين مفهوم الحاكم في العالم العربي وفي اليابان، ففيما يكون الإنسان في الثقافة العربية الإسلامية هو مركز العالم، يؤمن اليابانيون بوحدة الوجود، ولذلك ليس عندهم مركز للعالم!
الحاكم في العالم العربي هو مركز الشعب، وهو مشروع للبقاء الدائم، وفكرة التأييد هذه لا تقتصر على رجل السلطة الكبير وحده، إنما تشمل قادة الأحزاب الذين يفترض أنهم في المعارضة ويحملون مشروعاً مناقضاً لمشروع السلطة القائمة ومختلفاً عنه، وإلا، فإن المعارضة تصبح سلطة تنتظر دورها في السيطرة على الحُكم!
في أحد فصول الكتاب يتناول الكاتب تجربة شخصية حدثت له تؤكد ما قاله حول مفهوم القائد أو الزعيم في العالم العربي، فقد كان في القاهرة حين رحل الرئيس جمال عبدالناصر، وشهد الحزن الكبير الذي سيطر على الناس، وكذلك الحيرة والفوضى اللذين ألمَّا بهم، كانوا كمن فقد العماد، مثل المركب الذي تحطم وركابه لا يعرفون إلى أين يمضي بهم!
على ضوء تلك المشاهدات يقول الكاتب إنه أدرك كم يحتاج الناس في العالم العربي إلى زعيم، لكنه في المقابل طرح تساؤلاته حول مفهوم الزعيم الحقيقي.
وعن الأسباب التي تدعو المواطنين في العالم العربي إلى التعبير بهذا الشكل عن حاجتهم لزعيم، وخصوصاً في ظل مشاهد الحزن التي عمَّت جميع العواصم العربية على فقدان جمال عبدالناصر. ثم يقارن هذا المشهد بما لديهم في اليابان، حيث يقول إن صورة الزعيم فقيرة جداً هناك، حيث فقد اليابانيون الصورة الحقيقية للزعيم، فهم يرون أن الزعيم الحقيقي لا يلهث وراء السلطة، وإنما السلطة تأتي إليه، ويفرضها عليه وعيه بالمسؤولية وشعوره العميق بالواجب!
قراءتي لهذا الكتاب جاءت في مرحلة يشهد فيها التاريخ العربي الحديث تحولاً هائلاً في مفهوم الزعامة، وفي شروط الزعامة، بل وفي حدودها وزمنها! قد لا نكون قد وصلنا إلى ما وصل إليه اليابانيون، لكننا حتماً في الطريق إلى نبذ فكرة الزعيم الأوحد، أو القائد الخالد المخلد، فثورات الربيع العربي خير دليل على مثل هذا الوعي الجديد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى