
مخجل ومؤسف ذلك التطاول والانتهاك للدين اللذان يرتكبهما البعض بحجة حماية الإسلام عقيدة وسلوكاً، واللذان أصبحنا بسببهما نجهل أو نتجاهل جوهر الدين ونتصارع في جدل ومغالطات خارج إطاره ومنهجه بعيدين كل البعد عن المغزى والهدف السامي للدين، واللذين يتلخصان في الارتقاء بالإنسان روحاً وجسداً والسمو به فوق مخلوقات الله!
فتارة المطرب الفلاني كافر، وأخرى الشعر الفلاني يمس الدين، ومرة الكتاب هذا يحوي انتهاكاً للدين، والأغنية تلك حوت مقاطع تسيء إلى الإسلام، وهكذا حتى أصبح الدين ملاذاً للمختلفين فكرياً والمتنافسين سياسياً واجتماعياً! أما آخر تلك الانتهاكات فقد كانت في تكفير المطرب الكويتي عبدالله الرويشد والذي صدرت بحقه دعوى تكفير من أحد المشايخ في المملكة العربية السعودية تتهمه فيها بالكفر لأنه تغنى بسورة الفاتحة، كما جاء في الفتوى، ومن ثم فقد أهدر دمه! كما تزامنت مع تلك الفتوى فتوى أخرى تتعلق بلعبة “البوكيمون” للأطفال، حيث يرى هؤلاء المفتون أنها تشكل مدخلاً لبث قيم كافرة، وأفكار معادية للدين وللإسلام!
ليس هكذا يكون الدفاع عن الدين، وليس هذا هو الأسلوب لحماية الإسلام والعقيدة، وإذا كنا نتفق مع بعض أولئك المتشددين في حكمهم وتكفيرهم حول حاجة الإسلام ديناً وإرثاً روحانياً لمن يدافع عنه ويدفع عنه بعض الأمور الجدلية والمستجدات التي طرحها العلم الحديث وتكنولوجيا العصر فإننا نخالفهم وبشدة أن يكون التكفير هو أداتهم، وأن يصبح الحجر والإلغاء أسلوبهم في مجابهة ما لا يتفق مع روح الإسلام من مستجدات ومستحدثات! ونحن قطعاً لن نكون مدافعين عن الإسلام ولا محافظين عليه إذا ما استمر أولئك المتشددون في حكمهم والمبالغون في عواطفهم ومشاعرهم، في عزل الإسلام عن محيطه الحديث.
لقد أطلق العالم من حولنا ساقيه وذراعيه شاقاً طريقه في عالم (العولمة) التي ألغت الحدود الفكرية والثقافية والاجتماعية ورسمت مجسماً للقرية الكونية الصغيرة، وإن كان لايزال في بداياته وفجر ظهوره! والإسلام بصفته وخاصيته الجامعة والشاملة يستطيع وبكل ثقة وسلاسة أن يسير في رحاب العولمة دون أن يمس ذلك شيئاً من خصائصه وصفاته!
لقد فجرت الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات مستجدات وتحديات لن نستطيع أن نتجاوزها أو نتجاهلها، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي! وهي مرحلة تتطلب منا على وجه الخصوص أن نستثمر تلك الخاصية الإسلامية المتمثلة في صلاحية ديننا لكل زمان ومكان! وهو أمر لن نستطيع تحقيقه دون أن يكون هنالك تقنين وتحديد للجهات المخولة بالإفتاء تجاه أي أمر مستجد وحديث! خاصة بعد أن تضاربت الفتاوى في الأعوام الأخيرة وبصورة أصبحت تخلط بين الأهداف السياسية وبين اللهفة والخوف على الدين!
ويكفينا دليلاً ما نحن بصدده اليوم من فتويين اختلف حولهما شيوخ الدين في الكويت وفي السعودية، ونعني بهما فتوى تكفير المطرب عبدالله الرويشد وفتوى تحريم “البوكيمون”!
لسنا هنا بصدد الدفاع عن الرويشد، فهو أكبر بفنه وبعطائه المتميز من أن تؤثر فيه اختلافات “وفتاوى” شخصية! لكننا بصدد الدفاع عن الإسلام ديناً وعقيدة من ذلك الغلو في تديين الدنيا والذي يخالف ولاشك الفقه الإسلامي الذي يقول إن الأصل في الأمور الإباحة، أي أن الغلو والتشدد في الافتاء والتحريم يعتبران خروجاً عن تلك القاعدة الإسلامية الناضجة والحكيمة!
إذاً، لا خوف على الدين الراسخ في القلب وفي العقل من “البوكيمون” الذي يحاور الطفل بلغة عصره ويطرح أموراً أصبحت شبه مسلمات من استنساخ وهندسة جينية وغير ذلك من مفاجآت العصر الحديث! وأيضاً لا خطر على الإسلام ديناً وعقيدة من مطرب أو من قصيدة أو كتاب، وإنما الخطر الحقيقي هو في سيطرة طبقة (رجال دين) لا يرون في الإسلام سوى منصة للغلو في الدين، من الذين يسعون لإعلان طبقة (الكهنوت) التي نهى عنها الإسلام بشدة وحذر منها!
