غير مصنف

الرقابة في زمن الإنترنت.. غباء

[جريدة القبس 7/3/2021]

حدثتني صديقة شغوفة جداً بالفيلم الرائع “صوت الموسيقى”، الذي يحكي قصة الراهبة “ماريا” التي تسكن في دير في مدينة سالزبورغ النمساوية، قصة الفيلم تروي كيف اعتنت “ماريا” بالأطفال السبعة لضابط بحرية أرمل. فيلم “صوت الموسيقى” حقّقَ أعلى الأفلام دخلاً بعد فيلم “ذهب مع الريح”، وفي عام 2001 تم اختيار الفيلم ليتم حفظه في سجل الأفلام الوطنية في مكتبة الكونغرس لما فيه من أهمية ثقافية وتاريخية وجمالية وموسيقية.
أعود للصديقة المُغرَمة بهذا الفيلم الجميل، والتي استفزّها مقص رقيب القناة الثانية، حين حذف مقاطع من الدير الذي كانت تعيش فيه الراهبة “ماريا” وبشكل أفسَدَ على المُشاهِد متعة المتابعة والمشاهدة.
الرقابة في زمن الإنترنت والفضاء الإلكتروني المفتوح جداً وبلا سقف أو حدود، هي في حُكم الجهل والغباء. فالفضائيات ومنصات الإنترنت حطّمَتا كل حواجز الرقابة – شئنا ذلك أم أبينا – بحيث أصبحت معها فكرة المنع أو الرقابة جزءاً من الماضي، وكل محاولات التحجّج بضرورة عدم كسر أو تجاوز نظام الأخلاق والعادات السائد، لن تنجح في مواجهة هذا الزخم من المعلومات والأفلام والفنون والمشاهِد التي قد لا تتفق مع ما صاغه المجتمع من منظومات أخلاقية وأعراف وقيم مجتمعية.
المطلوب اليوم، خاصة في عالمنا العربي، الذي أصبح فيه مقص الرقيب يلهث في متابعة المحظورات، أن نُدرِك أن الرقابة التقليدية القائمة على القص واللصق لا مكان لها في عالم اليوتيوب وتويتر والفيسبوك، وأنه حتى في ظل الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية، أصبحت مسألة تحديد كيفية إنتاج المواد، فنية كانت أم إخبارية أم ترفيهية، أو كيفية استهلاكها، مسألة غير خاضعة بشكل مُطلَق لمعايير السُّلطة ومسطرتها.
فالعالم اليوم يتعامل مع جيل إنترنتي قادر على حماية نفسه، وحقه في الاطلاع والمعرفة والترفيه، ولديه ألف وسيلة ووسيلة للتهرّب من كل أشكال الرقابة، تقليدية كانت أم رقمية، مما يثير مسألة غاية في الأهمية هنا، وهي أن الإنترنت وفضاء التكنولوجيا الرقمي المفتوح بالإمكان أن يُعيدا توزيع السلطة والأدوار اجتماعياً وفكرياً.
في ظل مثل هذا الواقع، يصبح رقيب وزارة الإعلام خارج نطاق التغطية، بل وخارج نطاق التاريخ البشري الحديث، وما قام به من بتر لمشاهِد من فيلم “صوت الموسيقى” هو أقرب للصراخ في وادٍ بلا صدى.
ثم ما الذي أثار الرقيب في مشهد “الدير”؟ هل كان مدفوعاً بقناعاته الشخصية؟ أم محكوماً بأعراف المجتمع الذي يعيش ضمن إطاره؟ واضح أن الجواب هو الأول لأن المجتمع الذي يعيش فيه يشاركه فيه 262 كويتياً مسيحياً من حقّهم أن يعكس الفن ثقافتهم، أما نحن كمواطنين فقد ألِفنا شعائر الكنائس والأديرة منذ أكثر من 85 عاماً، ونشاركهم مواسمهم تماماً كما يشاركوننا مواسمنا، بل إن القس الكويتي عمانويل غريب يُصر على إبراز هويته الخليجية – وهو حقّه – أثناء أدائه الشعائر الدينية في الكنيسة الإنجيلية وسط العاصمة الكويتية، وهو أمر طالما لقي استحساناً ودعماً من كل مواطن كويتي مؤمن بثقافة التسامح والمساواة بين المواطنين.
إن ما قام به رقيب وزارة الإعلام يُعتبَر مخالفاً لذوق غالبية المجتمع الكويتي وطبيعته المتسامحة، وما قام به من تشويه لأفلام أوسكار خالدة في ذاكرة المُشاهِد يحتاج إلى وقفة جادة وحازمة، فما اقترفه هذا المقص لا يستَند إلى قانون ولا علاقة له بالدين ولا بالسياسة، فَدور الرقيب ليس في الحجر على اختيار المُشاهِد أو ذوقه، وإنما هو فقط في تصنيف الأفلام وتحذير المتفرج من مشاهد قد تجرحه.
“صوت الموسيقى” سيبقى خالداً، تتناقله الأجيال ويشاهده الأطفال والكبار معاً منذ عرضه في عام 1965، ولا نذكر أن أي مشهد فيه قد خدش حياءنا، أو مسّ عقيدتنا، أو اخترق تقاليدنا، لذلك يا وزارة الإعلام من الأفضل أن تُعيّنوا رقيباً على رقيبكم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى