
**استجدت على الساحة السياسية، الشخصية الكويتية الناقدة والمتابعة وهي التي شكلها الغزو.. واليوم تقف هذه الشخصية أمام تحد فرضته الرصاصات التي انطلقت إلى النيباري.. وهي رسالة مرفوضة من كل الشعب**
الرصاصات التي انطلقت مستقرة في جسد النائب عبدالله النيباري وحرمه، حملت رسالة واضحة إلى كل من تخول له نفسه البحث في مستنقع الفساد الإداري والمالي في هذا الوطن. وإذا كانت العناية الإلهية قد رفقت بحال النائب الفاضل وحرمه فإن آثار هذه الحادثة البشعة ستبقى هاجساً يطارد كل ذي رأي وكل صاحب قلم!!
ومن هنا تأتي المسؤولية الجسيمة التي يتحملها كل مواطن صادق ومخلص، للعمل على تجاوز تلك الآثار النفسية التي سيخلفها حادث الاغتيال.
لم يكن الفساد أبداً وليداً لكارثة الغزو المشؤوم، بل قد شهدت ساحة الوطن السياسية، حالات من التوتر والقلق التي سببتها تجاوزات مالية وإدارية فاضحة غير أن الشخصية الكويتية الناقدة والمتابعة والتي شكلها الغزو، هي ما استجد على ساحة الوطن السياسية. ولقد جاءت قضايا المال العام والفساد، كأول أولويات تلك الشخصية الجديدة!!
اليوم تقف هذه الشخصية أمام تحدّ ساقته الرصاصات التي انطلقت بإتجاه عبدالله النيباري. وهو تحدٍ يفرض نفسه كشرط أساسي في سبيل تحقيق أدنى قدر من الاستقرار السياسي والنهوض، ويتطلب قدراً كبيراً من الجرأة في الطرح والنضج في معالجة الأمور بحزم وموضوعية لا تحدها إلا المصلحة العامة للوطن.
إن الإصرار على التصدي لقضايا الفساد، هو بلا شك إصرار على البقاء والاستمرار. فالفساد ليس قضية فردية، ولا هو بجريمة شخصية، يُقفل ملفها بعقاب أصحابها، بل هو قضية شعب بأكمله، ووطن بمواطنيه، ومن هنا، فإن التصدي للفساد كان دائماً قضية مجتمع بأكمله، وواجباً لا يغفل أحداً.
لا شك أنه من الصعب بمكان بناء دولة حديثة وتشييد نهضة واعدة، طالما بقي الفساد ينخر في جنبات البناء، ولعلنا نستلهم من التاريخ ما يرسخ تلك القاعدة. فالدولة في الأندلس لم تنهر بفعل جيوش وخطط حربية وحسب، بل هو الفساد الذي نخر في جنبات بناء الدولة آنذاك. وجعل العرب يومها يتساقطون، وتنهار دولتهم، بعد أن استشرى بينهم الفساد، وأربك بناءهم السياسي والمجتمعي.
ونحن الآن في هذا الوطن، نواجه تحدياً لا يقل عن التحدي الذي جابهه العرب آنذاك، ومساساً مباشراً بحق أبنائنا في البقاء، ومستقبلهم ومستقبل أجيال أخرى عديدة. ولعلَّ ذلك الإدراك هو الذي دفع الشخصية الكويتية التي فجرها ألم الغزو ومعاناته لأن تساهم وبنشاط في الذود عن البناء السياسي والمجتمعي لهذا الوطن، فسخرت الأقلام جهدها لكشف بؤر الفساد المالي، وتعالت الأصوات محذرة من تطاول بعض المتنفذين على مقدرات الوطن ومستقبل أبنائه، وكلها خطوات في الطريق الصحيح نحو بناء سليم وصلب. إلى أن انطلق العنف رصاصاً، وشتماً وكلاماً جارحاً، باتجاه أي محاولة ترمي لعزل المفسدين، أو لتسليط الضوء على ملفات الفساد ومجلداته الضخمة.
رصاصات النيباري قد أعلنت ولا شك أن هنالك مناطق محظورة، يُمنع السير في أروقتها والبحث في زواياها. وإذا كانت ظروف تحرير الوطن قد صرحت للمواطن بتجاوز تلك الخطوط والتوغل باحثاً في مستنقعات الفساد، فإن هاجس الخوف قد عاد من جديد وأصبح يهددنا جميعاً في أهلنا وأطفالنا وأنفسنا إن نحن اخترقنا خطوط الفساد المحظورة.
يجب ألا يثنينا هاجس الخوف هذا عن الإصرار على التصدي للفساد وبغض النظر عن المتورطين في قضايا خاصة بعد أن أدركنا الثمن الباهظ لتجاهل الفساد وأعوانه. فالرسالة التي حملتها رصاصات عبدالله النيباري هي رسالة مرفوضة من قبل جميع أفراد الوطن، وعلى مختلف المستويات. والجرأة في النقد والرأي التي تحلت بها الشخصية الكويتية الجديدة يجب أن تبقى أداتنا الأولى في بناء وطن صلب ومتماسك ونظيف!!
