غير مصنف

الرايات السوداء

[جريدة القبس 20/3/2012]

هل وصلنا إلى نهاية النفق ولم يبقَ من الحوار سوى التراشق الطائفي أو القبلي؟
لست مع رفع الأعلام السوداء، لكنني قطعاً مع نعت المرحلة بأكملها بالسوداء، فنحن في مرحلة سوداء، وفي مجلس أسود، وفي واقع يحيطه السواد من كل جانب.
الذين اقتحموا المجلس خالفوا مواد صريحة في القانون تتعلق بحرمة المجلس وعدم انتهاك أو تدمير المرافق العامة، والإجراء الذي اتخذه مكتب المجلس السابق جاء في الإطار القانوني، فما الذي يدفع مكتب المجلس الحالي لتصحيح البلاغ بهذا الشكل الذي أثار ما أثار وسيبقى عالقاً في سماء الخلافات داخل المجلس!
الديمقراطية بتعريفها الأمثل هي قرار الأغلبية، مع حفظ حقوق الأقلية، لكن إذا ما استقوت هذه الأغلبية وتحكّمت في القرار وبشكل يجهض حقوق الأقلية تتحول الديمقراطية إلى إعلان حرب، وإلى ساحة، أول ما يسقط فيها القانون، وهنا تكمن الخطورة!
الذين اقتحموا المجلس من الشباب، كان دافعهم التعبير عن سخطهم من قضايا الفساد المالي والرشى التي دُفعت لنواب لايزال بعضهم يحتل مقعده في المجلس الحالي، وكان الأجدى بالمجلس اليوم ومن فيه، فتح ذلك الملف الأسود قبل أي شيء، بدلاً من اللعب على وتر الطائفة والقبيلة بهذا الشكل المؤسف.
من المؤكد أن هناك غياباً تاماً للحكمة في صياغة بلاغ الاقتحام الجديد، الذي يهدف إلى تبرئة ساحة من يملك الأغلبية في المجلس، مما يعني أن الأغلبية سيكون بإمكانها دائماً تحصين نفسها، وإعفاء أعضائها من المسؤولية القانونية مستقبلاً إن هي شاءت، وذلك من خلال الديمقراطية!
هذه الأغلبية وبكل أسف تجهل أو تتجاهل أن الديمقراطية من دون قانون يسندها تصبح شريعة غاب، فمن دون دولة القانون لا قيام للديمقراطية ولا أساس.
القضية التي رفعت من أجلها الرايات السوداء في مجلس الأمة واضحة وصريحة ولا تحتاج إلى استفتاء ولا تصويت! هناك خطأ وقع فيه المقتحمون للمجلس، وهناك قانون يجرّم فعل الاقتحام، وهناك قضاء كفؤ وقادر على أن يفصل في هذه الحادثة، وهناك محامون بإمكان المتهمين الاستعانة بهم، فلماذا لا يأخذ كل ذلك مجراه، ولماذا نصرّ على إقحام أنفسنا في دائرة الطرح الطائفي والقبلي البغيض؟
أعلم جيداً أن هناك الكثير من الأصدقاء لن يعجبه ما طرحت هنا، لأن قضية الاقتحام، وبكل أسف، أصبحت معياراً لتقييم الانتماء والتوجه، فأنت مع الفساد والحكومة إذا استنكرت حادثة الاقتحام، بينما أنت مع تيار الإصلاح إذا ما وقفت مع المقتحمين!
لأصدقائي هؤلاء أقول: أنا مع القانون ومع سيادته ودولته، دعوا القانون يكون الفيصل، ولا تلقوا ببلدنا الجميل في أتون السواد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى