الأرشيف

الرأي الرمادي في حق المرأة السياسي

[جريدة القبس 21/11/1999]

الحوار الساخن الذي يدور في كل زاوية من زوايا الوطن هو ذلك المتعلق بالمرسوم الأميري الخاص بحقوق المرأة السياسية، فلا يوجد بيت ولا مؤسسة ولا مدرسة إلا ويتناول أفرادها هذا الحديث، وهو أمر يدعو إلى بهجة لا تقل عن بهجة إعلان المرسوم نفسه، فبعد هذا المشوار الطويل من الممارسة الديمقراطية، آن الأوان لأن ندخل في حوارات ساخنة تمس تلك الاختلافات الجوهرية التي كثيراً ما تجنبناها خوفاً من المواجهة التي قد تفسد روح “الأسرة الواحدة” وتشق “وحدتنا الوطنية”، فيكفينا ما أضعنا من وقت وجهد في جدل عقيم لا يهدف إلا إلى وأد الآخر ونفيه خارج دائرة المجتمع والسياسة، وما مسلسل التكفير الذي نشط مؤخراً سوى واحد من تلك الحوارات العقيمة التي لم تهدف يوماً إلى مصلحة حقيقية للوطن ولا إلى دفاع مخلص عن الدين والعقيدة.
لذلك، فإن المواجهة التي نحن بصددها اليوم هي إيجابية لأنها تمس اختلافات جوهرية بين المختلفين سياسياً وفكرياً، وتتعلق بمسألة لا تتقبل نصف الرأي أو القبول الحذر، وتتطلب شجاعة في حسم تلك الرمادية في الرؤية، هي إذاً ستكون، أولى مواجهات المكاشفة العلنية، والتي ستقطع الطريق على أولئك المتأرجحين بين أكثر من فكر وأكثر من سياسة وتوجه، من الذين يقتاتون اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً من وراء الاسترخاء الذي طالما مارسوه في بقعتهم الرمادية!
فالحسم والفصل في قضية كحقوق المرأة السياسية لا شك يمسان ثوابت لدى الجميع، أصبحنا في أمس الحاجة لإعلانها، خاصة بعد أن رأينا كيف تكشفت سواتر بعض الوجوه ليبرالية المظهر، التقليدية في جوهرها.
من الملاحظ أن هنالك شريحتين من المعارضين لتلك الحقوق، تضم إحداها أولئك الحذرين والخائفين من أن يمس جهرهم في مسألة كهذه مستقبلهم السياسي، أو أن يؤثر على قبولهم الانتخابي في دوائرهم، خاصة من قبل جماعات الإسلام السياسي التي قد تشكل ثقلاً في تلك الدوائر، وهؤلاء هم غالباً ما يكونون من أصحاب “الرأي الرمادي” الذي تتحكم فيه وتقوده طموحات أولئك، السياسية والاقتصادية.
أما الشريحة الأخرى، وهي التي تشكل غالبية معارضي الحقوق السياسية للمرأة، فهي تضم أولئك المذعورين من تداعيات الإقرار أو الموافقة على منح المرأة حقها السياسي، حيث يخشى هؤلاء أن يجر ذلك للمطالبة بحقوق أخرى طالما غيبها وأنكرها غياب المرأة السياسي، وأقصاها عن دائرة القرار بشكل عام.
والجدير بالذكر أن هذه الشريحة هي أكثر شرائح المجتمع هضماً لحقوق المرأة، وأقلها تمسكاً وتطبيقاً للحقوق الشرعية والاجتماعية للمرأة وملفات قضايا الأحوال الشخصية، وروايات المحامين تؤكد درجة استهتار تلك الشريحة بحقوق المرأة بشكل عام وليس حقها السياسي وحسب، خاصة أن الأمثلة العربية والإسلامية التي أرست وأقرت الحقوق السياسية للمرأة، تؤكد دور المرأة من خلال البرلمان في تنظيم الكثير من الحقوق والرخص الشرعية التي طالما تمتع بها الرجال بصورة أفسدت تماماً القصد والحكمة الإلهية من وراء جوازها، وكما حدث في التجربة التونسية، على سبيل المثال، حين استطاعت المرأة من خلال ما تتمتع به من حقوق سياسية أن تنظم عملية الزواج بأكثر من واحدة، وأن تضع ضوابط لتلك الرخصة والتي كثيراً ما استغلها البعض بصورة أخلت بشروطها وضوابطها الشرعية، كما جرى أيضاً تنظيم عملية الطلاق بحيث تحفظ للمرأة كرامتها وحقها الذي أقره ووفره الدين الإسلامي.
المسألة إذاً، ليست مسألة موافقة أو عدم موافقة على حق المرأة السياسي، وإنما هي دعوة للجهر بموقف أساسي ومبدئي يفرز المجتمع إلى أصحاب مبادئ ثابتة، وآخرين من ذوي المزاج الرمادي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى