ملفات ساخنة

الذاكرة المثقوبة

الذاكرة المثقوبة

حديث الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير خارجية قطر لجريدة “الرأي العام” هو حديث يغلب عليه طابع التمنيات والآمال أكثر من كونه حديثاً يتعامل مع الواقع كما هو وليس كما نرغب ونحب، فحديث الشيخ الشاب ينطلق من فرضية أولى وهي أن المنطقة لا تحتمل أي هزة عسكرية في الوقت الحاضر! ونحن هنا نتفق تماماً مع وزيرنا الفاضل حول أهمية الاستقرار لمنطقتنا وحول مضار الحروب بشكل عام على أي بيئة أو منطقة.
لكننا، ولا شك، نختلف معه في أن الطريق نحو استقرار المنطقة لا يكون إلا بالحوار مع العراق، وحين نقول العراق هنا فإننا قطعاً لا نعني بذلك البلد الجار والصديق الغارق في طوفان الدم والحرائق الصدامية، وإنما نعني نظام صدام حسين الذي عبث بأمن واستقرار أهله وناسه قبل أن يعبث بأمن المنطقة واستقرارها، وذلك منذ تسلق سدة الحكم والزعامة في أرض العراق الحزين.
نحن لا نتفق مع وزير الخارجية الشاب في أن الحوار مع عراق صدام حسين سيكون مدخلاً لأمن أو لاستقرار، لأن التاريخ والتجربة يؤكدان أن الحوار مع رموز دكتاتورية كالرمز الصدامي سيرسخ قيم العنف والإرهاب، وهما مناقضان تماماً لمفهوم الاستقرار والأمن.
يرى الوزير الشاب أن المشكلة هنا تكمن في رفض الكويت للحوار المباشر مع العراق، وهو يقول: “ليس من مصلحة الكويت ألا يكون هناك استقرار في العراق، وليس في مصلحة دول مجلس التعاون، وهناك أناس في الكويت يحاولون التشكيك في الموقف القطري تجاه العراق، ونحن نختلف مع المشككين الكويتيين في كيفية حل الإشكال”.
ولا نتصور هنا أن الوزير القطري قد أنصف العراق وشعب العراق في عرضه هذا، لأنه ليس من مصلحة العراق ولا شعبه أن يخضع مجلس التعاون ودوله للأمر الواقع وأن يحاوروا أو يجتمعوا بقصد تصفية الأجواء السياسية مع أولئك الذين ظلموا العراق وبطشوا بأهله وشتتوا شبابه.
ليس من مصلحة العراق إطلاقاً أن يعود هذا البلد الحزين إلى محيطه الخليجي والعربي، ومسببات الحزن لا تزال قائمة وفاعلة، فبحسب تصريح الشيخ حمد بن جاسم إن العراق دولة عربية ارتكبت خطأ باحتلالها الكويت وأن هذا الخطأ قد انتهى، وإذا كانت هناك مشاكل عالقة، فيجب أن تحل وأن تعاد العلاقات بشكل طبيعي من خلال حوار مباشر بين مجلس التعاون وبين العراق، وهنا يخطئ الوزير الشاب في حدسه، فالخطأ الذي ارتكبه صدام حسين لم يكن بحق الكويت وحدها، وإنما بحق العراق وشعبه بالدرجة الأولى، وإذا كانت الكويت قد عانت من جراء ذلك الخطأ شهوراً طويلة من البطش والعنف والقتل والتهجير، فإن العراق قد عانى ولا يزال يعاني وسيبقى معانياً إذا ما خضع العرب لسياسة الأمر الواقع التي يرسخها نظام بغداد الحاكم.
لقد طرح الوزير القطري في حديثه لجريدة “الرأي العام” مقارنة بين الوضع العربي ـ الإسرائيلي وبين الحالة العراقية ـ الكويتية، حيث يتساءل عن سبب عدم الخروج بمبادرة تنقي الأجواء بين العراق والكويت، خاصة أننا نتحدث اليوم عن مبادرة للسلام مع إسرائيل، وتلك رؤية مبالغة وغير منصفة، فشتان بين الحالتين، لأن العراق والكويت يعتبران شريكين في الظلم والبطش القادمين من نظام صدام حسين، فكلا البلدين ضحية في مواجهة عدو واحد، بينما الحالة الإسرائيلية واضحة ومحسومة من حيث وضوح الرؤية في تحديد المجرم والضحية.
لقد أخطأ الوزير الشاب هدفه، وبكل أسف، حين توهم أن زيارته لياسر عرفات تحمل في إطارها تضامناً مع الشعب الفلسطيني، وذلك بقوله “إن العيب كل العيب أن يزور المسئولون الأجانب عرفات وألا يزوره أحد من العرب” لأن ياسر عرفات، وكما يعلم الوزير القطري جيداً، يعتبر سبباً مباشراً فيما آلت إليه القضية الفلسطينية من تشتت وفوضى تماماً كما كان صدام حسين ولا يزال السبب الرئيس في كل ما يعاني منه العراق وأهله.
هل هي الذاكرة العربية المثقوبة التي تجعلنا نصفح عن طغاة دنسوا أوطانهم وأهلهم ومستقبلهم؟ أم هو الجهل بمقومات الاستقرار الذي يجعلنا نضل الطريق؟ أم هما معاً؟ قد لا يهم ذلك كثيراً، لكن المهم الآن ألا نعيد بناء المستقبل بأدواتنا العتيقة، وبألبستنا البالية؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى