
نحن جميعاً نغضب ونتذمر حين نذهب لتخليص معاملات أو إجراءات روتينية في مؤسسات الدولة، نغضب للفوضى التي تعم هذه المؤسسة أو تلك الوزارة، ونتشنج حين لا نجد الموظفين العاملين في أماكنهم، ونتوتر حين يتدافع المراجعون في فوضى غير ملتزمين بالطابور ولا بالنظام.
وبسبب تلك المعاناة التي يواجهها المواطن، أصبحت هناك مكاتب خاصة لتخليص المعاملات في وزارات الدولة مقابل مبالغ متفاوتة بحسب المعاملة والوزارة المعنية!! لكننا وفي أوج تذمرنا ومعاناتنا وغضبنا ننسى أننا كمراجعين وكمواطنين جزء من تلك الفوضى، وأننا نساهم بصورة أو بأخرى في تكريس تلك السلبيات وتغذيتها، لأننا في نهاية الأمر جزء من هذا النظام بشكل عام.
حدثني زميل أمريكي يعمل في جامعة الكويت منذ سنوات عن معاناته مع وزارة المواصلات أثناء إجراء معاملة تتعلق بهاتفه.. وقد علق في حديثه على المناعة التي اكتسبها خلال تواجده في الكويت ضد ذلك النوع من المعاناة والفوضى، ويتقبل ذلك البطء في الإجراءات عند متابعته لمعاملاته مع مؤسسات الدولة في الكويت، لكنه، وكما يقول، يشتعل غضباً ويثور حين يواجه مثل هذه العراقيل في بلده، بل إنه يعجز أن يستحمل حتى البسيط منها في أمريكا.
قد نكون كحضارة، أهل النظام والإدارة، فقد أرسى الإسلام كدين وكحضارة شريعة وقانون المعاملات الإدارية والتجارية حين كان العالم من حولنا يتخبط في الإهمال والفوضى! وأرست الشريعة الإسلامية بروتوكول المعاملات بين الناس.
بل قد حفل الإسلام بأحاديث وتوصيات للنبي c أو لمن عاصره وعايشه تنطق بالحكمة وتترجم العقلية الإدارية التي كانت سائدة في عصر الإسلام الذهبي.
فقد اختزلت تلك الحقبة المسئولية الجماعية تجاه النظام المجتمعي في “كما تكونون يولى عليكم” وترجمت أقوال وحكم عديدة فلسفة الإصلاح الجمعي الذي يبدأ بالنفس ومن داخل الفرد قبل أن ينطلق ويشمل الجماعة والمجتمع “لا يغير الله ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”!!
نحن قطعاً نتطلع لمجتمع مثالي تكون فيه المعاملات سلسلة والتعاملات تتحرك بصدق وبرؤية وبدقة لا يغتصب فيها أحد حق الآخر، ولا تتجاوز فيها جماعة مكتسبات أو حقوق الجماعة الأخرى لكن ذلك الحلم لا يمكن أن يأتي بمجرد أمنية، ولا بقرار إصلاح ولا برنامج عمل وقوانين تعامل. ما لم ينطلق أولاً من داخل كل فرد منا لكي تتحقق على ضوئه المصلحة والفائدة الجماعية التي ستطال حتماً كل فرد وكل مسئول تضمه حدود تلك الجماعة بشكل عام.
فنحن، على سبيل المثال، نتذمر من رعونة الشباب في قيادة السيارات، بينما نتجاهل سلوك الآباء والمربين تجاه قوانين المرور والتي لا تختلف كثيراً عن رعونة وفوضى الأبناء! كما أننا نتذمر من سلبيات جيل اليوم من الأبناء والبنات، ونحزن على عزوفهم عن المساهمة والمشاركة في شؤون الوطن والجماعة بينما تخيم على الجميع من آباء وأمهات حمى السلبية والانغلاق على أمور وشؤون كثيرة تتطلب المساهمة والمشاركة الجماعية.
ستبقى إذاً طوابير المعاملات طويلة وممتدة، وستبقى الفوضى مسيطرة على كل شؤوننا، وسيبقى المواطن متذمراً وساخطاً، لكن كل ذلك لن يقدم شيئاً لفوضى النظام والعمل والأداء.. وعلينا أن نتذكر جيداً أن لا مخرج من ذلك الواقع إلا من خلال الانصياع لشروط الإصلاح الجمعي المتكامل.. ولنتذكر أن البذرة الأولى لمجتمع منظم تبدأ من داخلنا أولاً ثم لتستقر في قلب الذاكرة الجماعية.
