الدين.. والدولة.. وشرعية السلام

الدين.. والدولة.. وشرعية السلام
لا يستطيع أحد أن ينكر أن قطار السلام الذي بدأ أولى محطاته في مدريد وذلك في أواخر العام 1991، أنه لا يزال ماضياً!! على الرغم من المحاولات المستمرة لزرع العثرات في طريقه!! حيث أن هنالك من يرى في كل ما حدث ويحدث.. استمراراً للهزائم العربية التي توالت على المنطقة فيما بين (1948 – 1991) بينما يرى البعض الآخر.. أن مرحلة السلام ستجلب للمنطقة مشاريع تنموية.. وستوفر فرصة ثمينة لإدارة عجلة البناء بعد أن عطلتها الحروب المتتالية بين العرب وإسرائيل!
وأياً كانت المبررات والتفسيرات فإن المرء لا يستطيع إلا أن يشكك في حقيقة الفرصة التي سيوفرها السلام.. إذا ما أصبح واقعاً!! خاصة بعد أن استطاعت إسرائيل أن تبني مجتمعاً متماسكاً شبه صناعي!! مما يجعل من الدول العربية سوقاً استهلاكية.. للصناعات والاقتصاد الإسرائيلي!! مهما يكن.. فإن أحداً لن ينكر.. أن السلام الآن.. ليس خياراً.. بل هو (أمر واقع) فرضه الزمن العربي الرديء الذي تعيشه دول المنطقة!! ورسخه سقوط الثنائية القطبية.. وزوال مرحلة الاستقطاب الشرقي والغربي!!
المشكلة الآن في قضية الصلح مع إسرائيل.. وإعلان السلام.. ليست مشكلة سياسية لدى البعض!! بقدر ما هي مشكلة دينية عقائدية خاصة أن الإفتاء بجواز الصلح.. يعني إفتاء بالتنازل عن القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين!! والتي لا يخلو تصريح إسرائيلي من التأكيد على كونها العاصمة الأبدية لإسرائيل!! وأن لا تنازل عن ذلك أبداً!!
قرأت مؤخراً رأياً للدكتور عجيل النشمي.. نشرته “القبس” في عددها الصادر بتاريخ 4/3/95.. يقول فيه: “إن من أفتى بجواز الصلح الدائم مع اليهود.. لم يراع الواقع السياسي على الحقيقة.. ونظر للمسألة من جانب واحد.. وهو ضعف المسلمين عامة وعجز العرب خاصة عن تحرير أرض السلام من أيدي اليهود.. فالمصلحة في إبرام الصلح معهم وتقدير المصلحة موكولان للحكام، غير أن الدكتور يؤكد أيضاً في الموقع نفسه.. أن الاعتراف بالصلح الدائم لم يرد عن أي من الفقهاء.. وهو صلح يغلق باب تحرير الأرض المسلمة من غاصبها إذا قويت شوكة المسلمين مستقبلاً!! وهذا الصلح يمنع جهاد العدو وهو ماضٍ إلى يوم الدين!! وتأكيداً على ذلك يورد الدكتور “النشمي” قولاً لابن قدامة الحنبلي “ولا تجوز المهادنة مطلقاً من غير تقدير مدة.. لأنه يقضي إلى ترك الجهاد بالكلية”.
إن من يقرأ كلمات الدكتور “النشمي” لن يخرج بانطباع واضح وصريح عن رأي الدكتور في مسألة الصلح!! اللهم إلا إذا ما اعتبرنا أن توكيله للحكام في أمر الصلح.. يعد قبولاً به!!
الفتوى الدينية.. في جواز الصلح مع اليهود.. سواء مما جاء في حديث الدكتور “النشمي”.. أو في أحاديث لرجال دين.. سمعنا فتاواهم.. والتي أصبح جل اهتمامها البحث في الشرع عما يبرر مسيرة السلام العربي الإسرائيلي!! هذه الفتاوى ترفع التساؤل الملح الذي طرحه ويطرحه الكثيرون عن دور الدين في السياسة!! وعما إذا كان من الصواب زج الدين بتعاليمه الروحانية السامية.. في متاهات وألاعيب السياسة القذرة!! وعما إذا كان من حق الدولة بجهازها السياسي استخدام الدين لتبرير أي من توجهاتها الاقتصادية أو الاجتماعية.. أو لمواجهة خصومها.. وأعدائها!!
حينما خطت “مصر” أولى خطوات السلام في “كامب ديفيد”.. وأشهرت صلحها مع إسرائيل!! ارتعدنا كلنا غضباً.. وربما كان الدكتور “النشمي” معنا.. لتسخير الحكومة المصرية آنذاك رجال الدين.. وتجنيدهم لتفسير وتبرير الصلح دينياً.. ولإعطاء المشروع السياسي المصري.. طابعاً شرعياً!! بل ولم يتوان الرئيس المصري آنذاك “أنور السادات” عن استخدام الدين ورجاله كسلاح أشهره في وجه خصومه السياسيين.. وأعلن نفسه “رئيساً مؤمناً”!!
لقد شهدت مصر “قبل أي دولة عربية أخرى.. تعثر الخطاب الديني في الإجابة على أسئلة سياسية كثيرة كان أبرزها قضية الصلح مع اليهود. والذين قال عنهم رسول الله c إن الحرب معهم ماضية حتى يقول الحجر والشجرة: “يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي ورائي فاقتله”!! وقد أدى ذلك التعثر برجال دين من مثل “محمد متولي الشعراوي” إلى تناقضات واضحة!! فبينما سجد الشيخ “شعراوي” شكراً لله.. وصلى ركعتين شاكراً ربه على هزيمة 1967.. معللاً ذلك بأن الهزيمة قد حاقت بالشيوعيين.. وأن الله قد خذلهم لإلحادهم!! وقد كان الشيخ الشعراوي يعني بالشيوعيين.. نظام الحكم في مصر إبان الستينيات!! على الرغم من أن الطرف المنتصر في حرب 67 كان اليهود.. الذي حض الرسول c على حربهم وقتالهم!! فبينما شكر الشيخ ربه على ذلك.. وأفتى بذلك في قضية سياسية بحتة!! نجد الشيخ ذاته.. يمتنع عن الإجابة.. في سؤال وجه إليه عن رأيه في اتفاقية “كامب ديفيد”.. قائلاً أنه “لا يتكلم في السياسة”!! مما يبرز التناقض مع الدعوة التي حملها الشيخ الشعراوي.. وغيره من رجال الدين.. والتي تدعو إلى أن الإسلام دين ودولة!!
وسواء كان حديثنا عن رأي الدكتور “النشمي” أو رأي الشيخ “الشعراوي”.. أو موقف الأزهر من قضايا سياسية.. كالصلح مع اليهود!! فإننا بصدد قضية رئسية واحدة!! وسؤال فريد.. وهو: هل يجوز شرعاً تسخير الخطاب الديني.. في تبرير ممارسات سياسية!! خاصة ما يتعلق منها بقضية الصلح مع أعداء رسول الله c!! أم نتراجع فنسمو بذلك بالعقيدة على السياسة.. وبالدين على الدولة؟!!
“فلتطبق الشريعة.. لكن أين عمر؟”
[جريدة الطليعة 17/1/1996]
قد لا تستحق منا الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة وقفة وتأمل.. فعلى الرغم من الصخب الذي صاحبها.. إلا أنها لم تأت بجديد.. ولم تتجاوز أسلوب الطرح المعتاد من جماعة الإسلام السياسي!! وإن كان من حق المجتمع والمواطن الكويتي.. أن يقاضي ويقتص من أولئك الذين (قذفوه) بصفات الرذيلة والانحلال.. (واغتابوه) دون قرائن وأدلة.. فاتهموه بأعنف الألفاظ.. وطعنوا أخلاقياته علناً!!
لا يحتاج أي مسلم منا إلى حجج وخطب أحزاب الإسلام السياسي ليدرك إعجاز القرآن.. وصلاحيته لكل زمان ومكان!! واتساع الشريعة الإسلامية وسماحتها وتغلغلها في أدق تفاصيل الحياة البشرية.. بعدالة تعجز عنها كل قوانين البشر الوضعية!! ليس بذلك محط شك ولا تساؤل.. يرفعه أحد!! فلقد احتفظ النص القرآني بحرمته ونزاهته عن أي مس بشري وعلى مدى قرون طويلة!! فالله جل جلاله أنزل الذكر.. واعداً عباده بحفظه Fﵟإِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩ﵞ ﵝالحِجۡر : ﵙﵜ a.
إذن وكما كان الحال دائماً.. يتمحور الجدل حول تطبيق الشريعة.. في قضية أساسية وهي من يملك الحق في ذلك التطبيق.. أو إذا صح التعبير.. من هو المؤهل لأن يشرف على تطبيق ذلك التشريع العظيم؟!! خاصة إذا ما أدركنا.. أن كل إنسان مهما بلغت به النزاهة.. هو في نهاية الأمر نتاج عصره.. وظروف نشأته وتربيته!! وهو ما رأيناه وعايشناه في كل محاولات تطبيق الشريعة في عالمنا الإسلامي!! والتي كان يفترض أن تتبع من نص واحد.. منزل من إله واحد وعلى رسول واحد!! غير أنها محاولات خرجت علينا بشريعة القذافي وشريعة النميري.. وشريعة الخميني.. بل وحتى “صدام حسين” كان له نصيب و(حق) في تطبيق الشريعة!!
جزء كبير من إعجاز القرآن يعود إلى كونه كتاباً ثابت النص ومتحرك المحتوى.. مليئاً بالمتشابهات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى عن قصد!! إعجازه في أنه احتوى على المطلق الإلهي.. إلى جانب النسبية الإنسانية في فهم ذلك الحتوى!! F ﵟيَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩ﵞ ﵝالرَّعۡد : ﵙﵓﵜ a، ومن خــلال ذلك الإعجاز.. استطاع النبي c أن يطبق شريعة الله بما يتفق حين ذاك مع الظروف الموضوعية للجزيرة العربية.
ولقد اقتدى فيما بعد خلفاء رسول الله c.. بذلك الفهم والإدراك لإعجاز القرآن.. ولقابلية التشريع للتطور وللتأويل.. لا للتفسير والتغيير!! فكان أول المجتهدين بعد رسول الله c.. هو “عمر بن الخطاب” G.. حين ألغي تطبيق الآية ﵟوَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَييۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَـىٰ وَٱلۡيَتَٰمَـىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِﵞ ﵝالأَنفَال : ﵑﵔﵜ a.. مؤكداً بذلك جواز التأويل لا التغيير والتفاعل مع الظروف والمستجدات.. والذي هو أساس الحركة والإعجاز القرآني!! وهو أمر جائز وإن كان لا يمس العبادات والأخلاق والحدود (الصراط المستقيم) والتي تعتبر آياتها وتعاليمها صرحاً من صروح الدين الإسلامي.. حيث لا تخضع لنسبية التفاعل مع الظروف.. فهي “أم الكتاب” ومحكماته!!
هي إذن قضية تأويل وفهم.. مما أرسله الله من نص إلهي ثابت الصيغة والكلمة.. تأويل ينسجم مع طابع الفهم النسبي المرحلي أنجزه رجال كانت لهم بصماتهم الواضحة في حفظ النص الإلهي.. مع اعتبار المتغيرات والتحولات من حولهم!! ومع ذلك فلم ينف أحد عنهم صفة البشر.. وما يعنيه ذلك من خضوعهم للتصور البشري الطبيعي!! أو كما قالها أبو حنيفة النعمان “هم رجال ونحن رجال”..
هي إذن أزمة فقهية يعيشها العالم الإسلامي.. لأسباب تتعلق بندرة الرجال.. من القادرين أن يطرحوا وبموضوعية.. وحياد مطلق منهجاً جديداً في الفقه الإسلامي.. ليأتي مكملاً لجهود الأولين من الفقهاء.. والمجتهدين!! ورجال لا يشغلهم سبق سياسي.. ولا منصب برلماني.. ولا وظيفة مرموقة!!
إن تطبيق الشريعة.. وفقاً لما شرعه الله وأمر به فيه عدل ومصلحة للبشر أجمعين F ﵟرَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ ٢ فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ ٣ﵞ ﵝالبَيِّنَة : ﵒ – ﵓﵜ a.
فالله حق.. وجوده حق.. وعدله وكلماته حق!! لا جدال في ذلك إطلاقاً.. حتى من أشد (المارقين) و(المرتدين) و(العلمانيين) كما يحلو لدعاة الشريعة وصف مخالفيهم!! لكن المنطق والعدل يقولان إننا لا نستطيع أن نعيش القرن الحادي والعشرين من خلال منظور القرن السابع الميلادي!! وهو أساس الجدل في قضية تطبيق الشريعة!! حيث تتطلب قضية الفهم والتأويل موضوعية لا يحدها إلى الله وحده.. وطموحاً تتجاوز حدوده مقاعد البرلمان.. وهدفاً أبعد وأسمى من تبرير أرباح البنوك الإسلامية.. وتكفير وقذف من يختلف معناً في الرأي!! هي قضية من يؤدي دور “عمر بن الخطاب” G.. قبل أن تكون قضية مجتمع (منحل) و(منحرف) حق عليه القول!! إذن فلتطبق الشريعة.. لكن ليس دون عمر!!

