
اتفق العالم بأسره على اعتبار الأول من مايو عيداً للعمال.. وهو إشارة للأهمية التي أصبح عليها للعامل بعد تحرره من سيطرة رب العمل.. وللمكانة المجتمعية البارزة التي أصبح يتصدرها العمال في العالم بعد الثورة الصناعية وما أتت به من تغيير في أسس العملية الإنتاجية.. وتنظيم أكثر للمعيار الذي تقاس به درجة الاستفادة المرجوة من الفرد في أي مجتمع.
لذلك فقد أصبح شهر مايو مقروناً بمفاهم ثورية لدى الكثيرين.. وأصبحت حرية وصيانة حقوق العامل من حرية المجتمع ككل.. وصيانة لمقدراته.. وأصبحت معها المطالبات بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان من أكثر ما يميز شهر مايو.. إلى درجة أن دولاً كثيرة تعد العدة والاحتياط للأول منه.
في شهر الحرية هذا.. اُقترفت بحق المواطن الكويتي.. انتهاكات عديدة ومتتالية.. إن كان من حيث حرية الرأي والتفكير.. أو من حيث حرية النشر والتعبير.. أو في حقه بأن يعقد اجتماعات ولقاءات لا تخل بالأمن العام، ففي السادس عشر من شهر الحرية رفض محافظ العاصمة الطلب الذي تقدم به مجموعة من أبناء الوطن لعقد مؤتمر شعبي عام وموسع ومفتوح.. تُدعي إليه كل القوى السياسية والمؤسسات والأفراد لمناقشة شؤون الوطن. وفي العشرين من شهر الحرية.. ألغت جمعية أعضاء هيئة التدريس محاضرة لبروفيسور زائر كانت ستقام في مقر جمعية الخريجين.. وكان ذلك أيضاً بأمر من محافظ العاصمة، ثم يأتي أمر وزير الإعلام للقبس في الحادي والعشرين من شهر الحرية.. يطلب فيه “تخفيف الحدة” في المقالات التي تنشر حول انتخابات غرفة تجارة وصناعة الكويت. وفي هذا الشهر أيضاً صدر حكم قضائي ضد أحد أبناء الوطن الصحافيين لرأي جاهر بنشره!!
ذلك بعض ما اُرتكب في شهر الحرية بحق الحرية وبحق المواطن.. وبغض النظر عن وجهة النظر الرسمية بشأن تلك الانتهاكات.. فإننا نستطيع أن نتكهن على ضوئها بالجو العام الذي يتأهب له الوطن وهو يحث الخطى نحو أكتوبر.. ولو أعدنا النظرة في المكانة الثقافية والاجتماعية للفئات التي قوبل طلبها بممارسة الحرية بالرفض، لوجدنا أنها واجهة الوطن الثقافية ممثلة في جامعة الكويت.. ونخبة من المواطنين الشرفاء الذين رفضوا أن تناقش شؤون الوطن في الظلام.. فدعوا لمؤتمر شعبي لتحقيق أكبر قدر من المشاركة الشعبية والعلانية في الحوار.. وليكن مرآة الوطن العاكسة لكل قضاياه الملحة.. والمعبرة عن آراء أفراده.
إن إحدى المهام السياسية الأولى التي تتصدر جهود إعادة البناء.. إن لم تكن الأساسية.. هي في إحياء وتعزيز شعور المواطن بالمسؤولية عن مصير الوطن.. وترسيخ مفهوم الديمقراطية والتي كانت خشبة الخلاص للوطن يوم تأزرت الأيدي أمام اشتداد المحن. فإذا كان حق التعبير وروح الديمقراطية قد حجبا عن ذلك الفئات الرائدة في الوطن.. فماذا تبقى للآخرين؟! وبعد أن غدا هؤلاء قصراً وبحاجة للتوجيه والارشاد فيما ينبغي وما لا ينبغي أن يناقش.. فأي توجيه سيحتاجه أولئك الذين حملوا مسؤولية ليسوا في مستواها!!
إن الديمقراطية بمعناها المتضمن للحرية والمشاركة الشعبية كل واحد لا يتجزأ جُبل عليها أبناء هذا الوطن بكل فئاته وطبقاته.. ترجمتها وأكدت عليها مواد دستوره. فكما أشارت المادة 44 من الدستور “للأفراد حق الاجتماع دون حاجة لإذن أو إخطار سابق، ولا يجوز لأحد من قوات الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة”.. وكما جاء في المذكرة التفسيرة.. أن تكون أغراض الاجتماع (أو الموكب أو التجمع) ووسائله سلمية ولا تنافي الآداب”.. فإذا كانت الحكومة، والقائمة على ملاحقة ومنع من يمارس حقه الدستوري.. يتصرفون من منطلق الجهل بأحكام الدستور.. فتلك مصيبة حقاً.. أما إذا كانوا يفهمون الدستور.. ومع ذلك يماطلون ويرفضون تطبيقه.. وذلك بفرض وصايتهم على العقول.. والدوران في حلقات مفرغة.. فإن ذلك لكارثة ومصيبة أعظم.
إن الديمقراطية أسلوب حياة.. ونظام متكامل يشمل كافة نواحي المجتمع.. والديمقراطية ليست برلماناً.. ولا انتخابات.. ولا برامج انتخابية.. ولا مقاعد نيابية.. فقد يكون كل ذلك وسيلة لتطبيق الديمقراطية.. ولكنه ليس الديمقراطية بمفهومها ومغزاها.
فالنظام الديمقراطي الحقيقي هو الذي يتخلل كل الكيان المجتمعي.. ليصبح مناخاً سائداً يسود كل زوايا المجتمع.
وحتى مع كون البرلمان ليس كل ما في الديمقراطية.. إلا أنه يبقى المعيار الذي جرى التعارف عليه في العالم كله كأسلوب لقياس مدى وحقيقة ديمقراطية مجتمع ما. الجانب البرلماني للديمقراطية في هذا الوطن أيضاً أصابه ما أصابه من أوامر توقيف ووصاية وحجر.. ولا يخفى على أحد الأسباب التي دعت الحكومة إلى تعليق المجلس في المرات السابقة.. وما أود أن أبينه هنا أن التصرفات اللامسؤولة من قبل الحكومة والتي صدرت ومنذ التحرير بحق المواطن وحريته لا يمكن تفسيرها إلا بأن الحكومة لا ترغب في أي حال من الأحوال أن يحوي المجلس تركيبة قوية.. تملك الصدق والصراحة والقدرة على تطبيق مبدأ المشاركة الحقيقية في مسؤولية بناء الوطن.. لذلك فالدور الذي يمارس الآن بحق المواطن يؤكد حقيقة الجهود القائمة على تهميش المعنى الحقيقي للمشاركة الشعبية.. وتقليص دور المواطن في ممارسة حقوقه.. وعدم إفساح المجال أمامه ليكون فرداً.. وليس رقماً في مجتمعه.
وبالرغم من أن هذا النوع من القرارات.. كقرار محافظ العاصمة.. وقرار وزير الإعلام.. بالرغم من أنها أصبحت أكثر ما يميز مرحلة ما بعد التحرير.. وأعني بها القرارات التي تزيد من قهر وإذلال المواطن في وطنه.. إلا أن اقتراب أكتوبر يجعلنا نتأمل أن نبدأ مرحلة أكثر عقلانية.. وأوفر حكمة في إدارة الوطن.. مرحلة تعيد الثقة المفقودة بين المواطن والحكومة.
فالوطن في هذه الظروف العصيبة.. من أسرى واقتصاد هش.. وعدو ما زال يعوي في الشمال.. وسط هذه المصاعب التي يمر بها الوطن.. لا يوجد وقت للترف أو المزاح.. ولا قدرة على تحمل المزيد من الأخطاء والارتجال في تقرير مصير الوطن. ولا أصبح المواطن مستعداً للعودة لتلقي أبجدية الديمقراطية وحرية التفكير.. بعد أن قطع فيها شوطاً رسخه الأجداد من قبل.. وأحياه الأبناء في زمن الغزو البغيض.
فحتى لا نخطو إلى الخلف ونحن ندون تاريخ الوطن، وحتى لا يخجل الأبناء وهم يقرأونه، وحتى لا يدون في تاريخ الوطن إننا أصدرنا أمراً بمصادرة محاضرة ومؤتمر شعبي.. ورأي في صحيفة.. مزيداً من الثقة في أبنائك يا حكومة.. فلقد شبوا عن الطوق منذ زمن بعيد.
