شئون خليجية

الديمقراطية في قطر

جريدة القبس 2021/8/22

في كل مرة تحدُث فيها انتخابات برلمانية في أي دولة عربية.. أو أي من الدول النامية.. وفي كل نموذج من المشاريع السياسية الرامية إلى تحقيق قدر من المشاركة الشعبية.. يُطرَح سؤال لا إجابة قاطعة له حتى الآن.. سؤال حول أولويات التنمية.. وعمّا إذا كانت التنمية الاقتصادية تقود إلى التنمية السياسية أم أن العكس صحيح. كما يأتي مع مثل هذا السؤال تساؤل آخر حول ماهيّة الشروط اللازمة لبناء مجتمع أو دولة بشكل يضمن أعلى قدر من التعددية القانونية.. وبشكل محفّز لأعلى قدر من التعددية في المشاركة في إدارة الدولة.. النماذج متعددة، لكن من دون أن يكون هنالك نمط واحد محدد.
التجربة الديمقراطية في الكويت ما تزال مُتَعثّرة، على الرغم من أنها قد شَهِدَت بداياتها الأولى في عام 1921، حينما اجتمع وجهاء الكويت آنذاك مع آل الصباح وعملوا على تدوين ميثاق إصلاح أوضاع العائلة الحاكمة منعاً لأي خلافات تجري بينهم مستقبلاً، حيث أسفَرَ ذلك الاجتماع عن تكوين أول مجلس استشاري في عهد الشيخ أحمد الجابر. وفيما بعد وتحديداً في الثلاثينيات برَزَت المطالبة بقيام المجلس التشريعي الذي كان شعاراً للحركة الوطنية حينها، وكان أن رفض الشيخ أحمد الجابر مطالب القوى الاقتصادية المُمَثّلة بالتجار آنذاك، فكانت حركة مجلس 1938 وما صاحبها من عنف وتصادم أدى إلى وقوع ضحايا.. ويقال إن الإنكليز وشركات النفط لم يتقبّلوا تلك المطالب خوفاً من تَعاظم نفوذ المجلس على حساب سلطة الإنكليز وحاكم الكويت آنذاك.. وهو أمر عجّل بتفجّر الصدام فيما بعد! ثم توالت الانتخابات بعد ذلك في المجالس البلدية والمعارف في الأربعينيات والخمسينيات.. إلى أن التحمت الحركة الوطنية في عام 1956 بالتيار القومي التحرّري الذي ساد الوطن العربي، وما صاحب ذلك من تحريك للشارع ولمشاعر المواطنين في الكويت حينها. ومع بزوغ فجر الاستقلال عام 1961… ثم إعلان الدستور في 11 نوفمبر 1962، تمّت أول انتخابات لمجلس الأمة في عام 1963، واستطاع المد الشعبي أن يحقّق نجاحاً باهراً فيها، وذلك بقدوم عناصر وطنية شابة إلى السلطة التشريعية.
مسيرة طويلة وتراكمية أدّت إلى ترسّخ الوعي لدى المواطن الكويتي لأهمية المشاركة.. ومع ذلك وبالرغم من عمر التجربة البرلمانية في الكويت فإنه لا يمكن الادعاء باكتمال الديمقراطية فيها، لأن المعوّقات ما تزال قائمة، وهنالك إرث اجتماعي وعقائدي وثقافي بحاجة لأن يتطوّر، وما يزال أمام الكويت طريق طويل لتَكتَمل دولة القانون والمؤسسات بشكل صحيح، وإن كان هذا لا يعني أن لا مكاسب تحقّقت طوال هذه المسيرة.. فهنالك أمور محسوسة تجلّت في مظاهر الوعي لدى الشباب الكويتي لطبيعة الدور المَنوط به، وللمسؤولية التي يحملها على عاتقه كمواطن، وللحقوق التي يُصر على التمسّك بها.
ولعل في انتخابات ديسمبر الماضي خير دليل على حجم النمو في مثل هذا الوعي، وذلك حين شَهدت مراكز الاقتراع مشاركة غير مسبوقة رغم ظروف الوباء وقسوة الأحوال الجوية حينها.
كان ذلك سرداً سريعاً لتجربة المشاركة الشعبية في الكويت، وهذا مثال نتمنى على الشقيقة قطر أن تقرأه جيداً، وهي تبدأ أولى خطواتها باتجاه نموذج حداثي من المشاركة السياسية، فالعثرات أمر حتمي في سبيل اكتمال المشروع، ولا يمكن أن يتحقّق أي مشروع يهدف إلى تحقيق قدر من المشاركة أو الانتخابات البرلمانية الحرة إلا من خلال تراكمية التجربة، ووضع أسس لمجتمع مدني فاعل أساسه حرية التعبير والتنظيم والاجتماع، وتلك قضايا رئيسية، خاصة في المراحل الأساسية الأولى، فالنظام الديمقراطي وإن كان له من المثالب ما له.. فإنه يُعتَبَر أفضل الأنظمة السياسية التي أنتجتها البشرية.. وأهم وسيلة لضبط آليه وقواعد البَت في النزاعات والاختلافات والخلافات.
الديمقراطية في نهاية الأمر لا يمكن أن تَتَحقّق برغبة وإنما بمسيرة متواصلة.. ولا يمكن شراؤها فهي ليست سلعة، بل عملية تراكمية ثَريّة في مسارها ونتاجاتها، لذلك نتمنى على الشقيقة قطر الاستمرار في مسيرتها التي بدأتها اليوم، فالتاريخ صريح في إشارته إلى أن التحرّر من منظومة فكرية ثابتة لا يكون إلا بالسّير إلى الأمام فقط.

القبس 2021/8/22

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى