غير مصنف

الديمقراطية بين البارود… والطباعة!!

[جريدة الطليعة 5/11/1997]

لا أحد يريد أن تكون نظرية المؤامرة، هي الهاجس والأساس في تفسير أي قرار أو فعل سياسي، فتلك نظرية العاجز قليل الحيلة. غير أن صدمة نتائج انتخابات اللجان والتي تمت في صبيحة يوم افتتاح دور الانعقاد الثاني لمجلس الأمة لا تجعلنا عاجزين عن التفسير وحسب، بل وتدفع بنظرية المؤامرة، وطبخات ما وراء الكواليس لتتربع فوق كل محاولات التبرير والتفسير! خاصة وأن نتائج انتخابات اللجان هذه المرة قد فاقت كل التوقعات وتجاوزتها.
لقد بات من المؤكد، إننا في هذا الوطن نعاني من خلل متأصل وعضال في مفهوم العمل البرلماني، ودوره الرئيسي في ترتيب أولويات الإصلاح والتنمية بشكل عام فالبرلمان بصفته التشريعية يحمل أمانة تحديد تلك الأولويات وترتيبها، بصورة تضمن أداء فعالاً، وتنفيذاً مدروساً ومنظماً وهو بلا شك ما تجاهلته وتتجاهله الحكومة وبالتضامن والتنسيق مع البرلمان وأعضائه!!
إن أساس العمل الديمقراطي، هو في أن يكون البرلمان الساحة الأمثل لحسم التناقضات ومحطات الاختلاف والنزاع، بالصورة التي تخدم الجميع لا أن يصبح البرلمان هو الأداء التي من خلالها يزرع البعض تناقضات واختلافات عقيمة تربك الأولويات وتعصف بكل مقومات التعاون والتنسيق دون أن تخدم أحداً، سوى أقلية ترى في مشاريع الإصلاح والتنمية خطراً عليها وهاجساً يؤرقها لقد أكدت نتائج انتخابات اللجان الخلل في فهم ووعي الجسم السياسي في هذا الوطن لأسلوب الاختلاف والمعارضة ومواقعه؛ فالاختلاف والتعارض في الرأي والمنطق لا يعني إلغاء الآخر، بل على العكس من ذلك الديمقراطية بشكلها النهائي ما هي سوى نظام يقوم في أساسه على التنازع غير أنه تنازع لا بد أن يرمي في أهدافه إلى مصلحة الجميع وهو أمر لم نعد نراه في أسلوبنا المتبع في التنازع والذي تسعى الحكومة جاهدة إلى تعزيزه من خلال إلغائه للطرف المعارض بصورة تؤكد يوماً بعد يوم يقين الحكومة بمنطق الحق المحتكر على الرغم من كل الشكليات الداعية إلى حقوق الآخرين وحق الأقلية كما الأكثرية.
قد تكون الحكومة ممارسة لحق من حقوقها المشروعة حين أدارت كفة معركة اللجان الأخيرة. وقد تكون أيضاً وكمواطنين ممارسين لحقنا المشروع في النقد والاعتراض غير أن كلا الحقين لن يؤديا إلا إلى المزيد من الطرق المغلقة، والحوارات العقيمة بين الأطراف جميعها. وهي بلا شك طرق وحوارات لا تؤدي إلى خلل في الأولويات وحسب، وإنما إلى إرباك إن لم يكن إلغاء لكل مشاريع التنمية والتطوير.
انتخابات اللجان الأخيرة ودور الحكومة الواضح في إسقاط بعض الرموز من عضوية بعض اللجان الحساسة هي بلا شك واحدة من البرامج التي تتبناها الحكومة نحو شق المزيد من الطرق المغلقة ليس بين السلطتين وحسب وإنما كذلك بينها وبين الشعب. فقراءة المواطن لنتائج انتخابات اللجان لم تثر دهشته وحسب، بل أيضاً استياءه من تجاهل الحكومة لقضايا حساسة أصبحت قضايا رأي عام. فخروج بعض النواب النشطين والذين كان دورهم بارزاً في فتح ملفات الفساد، وسرقات المال العام، من بعض اللجان الرئيسية، فاللجنة المالية، واللجنة التشريعية، يحمل دلالات ومؤشرات تنم عن رغبة الحكومة في إغلاق تلك الملفات، والتستر على ما جاء فيها من تفاصيل، متجاهلة بذلك التفاعل الكبير الذي إبداء المواطن تجاه قضايا الفساد تلك، ودرجة وعيه ورغبته في متابعتها وتطبيق العقوبة القانونية على مرتكبيها!!
لقد عبر بعض النواب عن خيبة أملهم بالنتائج التي أعلنتها انتخابات اللجان، وبما حملته من دعوة حكومية للانغلاق وعدكم إشراك المجلس في بعض القضايا الساخنة وبالصورة المطلوبة منه والمتوقعة، ولم يخل سخط النواب واستياءهم من لوم للحكومة على ذلك الأسلوب، والذي قد يدفع البعض إلى العمل خارج اللجان، إن لم يكن خارج المجلس بشكل عام. وهو بلا شك مؤشر خطير سيؤدي حتماً إلى تراجع ملموس في أداء المجلس بشكل عام.
إن البرلمان سيبقى دائماً الساحة الشرعية لتنازع السلطتين وستبقى للبرلمان لغته الخاصة في الحوار والجدل. وكلما كانت اللغة الممارسة في البرلمان مفهومة من جميع الأطراف، تضاعفت فرصة الاستقرار وتزايدت فرص التنمية.
فكما يقال إن الديمقراطية الحديثة قد قامت على دعامتين، أولاهما البارود، وثانيتهما الطباعة.. وللشعوب الاختيار بين الاثنتين!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى