غير مصنف

الديمقراطية.. بلا قبيلة!

[جريدة القبس 15/6/1998]

قد لا ينكر أحد أسفه لما آلت إليه الأمور مؤخراً، وعلى ما دخلت فيه تجربتنا الديمقراطية الغضة! لكنه أسف لا يتعارض مع الإقرار بأن الحل الدستوري للمجلس، في حال العجز عن التعاون بين السلطتين، هو في المسار الصحيح نحو المزيد من الديمقراطية! كما أن حل المجلس الحالي قد كان أمراً متوقعاً ومقبولاً لدى شريحة كبيرة من المواطنين بعد أن تأزمت العلاقة بين السلطتين، ووصلت في أحيان كثيرة إلى طريق مسدود، دعا إلى إعادة تشكيل للحكومة كمحاولة يائسة لرأب الصدع بين السلطتين!
إذا لا غبار على الحل كأداة دستورية مشروعة! غير أن ذلك لم يمنع الكثير من الوقوف على ماهية أسباب العجز عن التعاون بين السلطتين! خاصة أنه قد كان عجزاً متواصلاً منذ البدء بالمجلس الحالي وبصورة جمدت الأداء في مؤسسات الدولة بشكل عام! أدت في أحيان كثيرة إلى تشويه هيبة ومكانة المجلس الاجتماعية والسياسية وإلى التشكيك في حاجة المجتمع السياسي للمساهمة البرلمانية في التشريع والرقابة! وتلك بحد ذاتها مأساة، خاصة حين يطال ذلك العجز المرحلي عن الأداء، قناعات المواطن في جدوى وأهمية البرلمان كمؤسسة حضارية، خصوصاً إذا ما أدركنا أن جزءاً كبيراً من تلك الإخفاقات وذلك العجز في الأداء يعود أساساً إلى غياب الوعي، والتطور الديمقراطي المطلوب، للخروج بمجالس نيابية حقيقية وفاعلة في أدائها ودورها، وهي بلا شك مشكلة لا تقتصر علينا وحسب، بل يعاني منها المجتمع السياسي العربي بشكل عام.
فالديمقراطية في جوهرها تعني إشراك الشعب وإسهامه من خلال نظام انتخابي حر ونزيه، في إدارة شؤونه وأموره، وهو مفهوم لا ينكره أحد، بل يقر ويؤمن به كل فرد!! غير أنه يبقى مفهوماً مجرداً وتنظيراً أيديولوجياً خاوياً وعاجزاً عن أدنى قدر من الأداء والتعبير!!
لأسباب تعود مباشرة إلى فشلنا الواضح في التأكيد على شروط العمل الديمقراطي والمقومات الرئيسية اللازمة لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي!!
لا ينكر أحد أن من أبرز أسباب إخفاقاتنا ما يعود إلى استمرار مجتمع وعقلية العائلة والقبيلة مسيطرة على روح ومناخ الانتخاب والترشيح. ونحن بلا شك لا ندعي هنا بأن للديمقراطية وقع السحر والمعجزة في تقويم ذلك الواقع!! غير أن مسارنا الديمقراطي، وبالتحديد التجربة الانتخابية وعلى مدى ما يزيد عن العقود الثلاثة، يفترض أن يكون قد لعب دوراً ولو صغيراً في إلغاء روح القبيلة والعائلة وتعزيز انتماءات أخرى بديلة، باتجاه مد جسور قوية نحو مجتمع مدني حديث وحضاري!! والذي بدونه ستبقى أخطاؤنا مكررة، وتبقى التجربة البرلمانية والانتخابية محدودة الأهداف والأغراض ومقيدة بشروط القبيلة، وقيود الانتماء العائلي والعشائري الضيق والمنغلق عن المجتمع من حوله!! غير أن مشروع المجتمع المدني، وللأسف لا يزال مشروعاً محظوراً ومحارباً وبشراسة من قبل صناع القرار لأسباب كثيرة ومركبة!! وبدون الإقرار به كشرط أساسي ومدخل رئيسي لحياة ديمقراطية وحضارية حديثة، ستبقي مشاكل وأزمات كالتي نحن بصددها الآن واقعاً متكرراً ودائماً!!
فالمجتمع المدني، وكما تدل تسميته، هو مجتمع المدينة، والمؤسسات العاملة، التي تُنشئها المجتمعات دائماً لإدارة الشؤون الاقتصادية والثقافية والإدارية والتعليمية وغيرها!! فهو مجتمع يكون الانتماء فيه للمؤسسة وبحيث يكون الانخراط في تلك المؤسسة انخراطاً إرادياً بحتاً، لا مساحة فيه للحظ ولا مجال فيه للقب أو للكنية.
وعلى الرغم من أن مثل ذلك الشرط الرئيسي والصارم نحو ديمقراطية حرة وفاعلة، يعتبر لدى الكثير شرطاً تعجيزياً وحالماً!! إلا أن ذلك لا يلغي أهميته، ولا ينفي من وجوبه!!
إن أعداء الديمقراطية إذاً هم أعداء المجتمع المدني، فهم الذين يخشون تراجع هيبتهم وسيطرتهم على الدولة والمجتمع التي أمّنوها من خلال إمساكهم بمؤسسات اقتصادية وثقافية!! وهو ما أصبح يتذمر منه الكثير ممن أصبحوا مدركين لحاجتنا المتنامية لتعزيز انتماءات أخرى بديلة تحل محل الأسرة والقبيلة والعشيرة!! وهؤلاء هم إنجازنا الحقيقي في مسارنا الديمقراطي القصير!! ودورنا هنا يكمن في إفساح المجال لتلك الانتماءات الحرة والطليقة نحو مزيد من الانطلاق والحرية والحركة، نضمن معه مجلساً منتخباً نزيهاً وفاعلاً!! وديمقراطية حديثة ومدنية لا تكبلها قيود القبيلة أو العقيدة والمذهب!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى