
الدكتاتورية كثقافة وليست فقط كنهج سياسي، فنحن جميعاً نمارسها في بيوتنا وبين أبنائنا نسميها بأسماء مختلفة كمراعاة العادات والتقاليد، لكنها تبقى في النهاية تغليباً لرؤيتنا كآباء على أي رؤية مختلفة قد يسلكها أو يعتقدها الأبناء، يمارسها المعلم في المدرسة، والطبيب في العيادة، والمسؤول في الوزارة، بل وحتى أبناء الجيران والحي يمارسونها أحياناً ضد كل من يخرج عن دائرة الرأي الضيقة ضمن إطار ومحيط “الجماعة!”.
وبالطبع فقد امتدت هذه الثقافة وأثرت إلى حد كبير في العلاقات داخل مجتمعاتنا العربية، وخلّفت وراءها أناساً منكسرين يسهل التحكم فيهم. ولقد احتار الفلاسفة في تفسير أسس الأنظمة الدكتاتورية، وتسمية الطرف المسؤول عن استمرارها بهذا الشكل، فها هو أرسطو يتحدث عن طريقتين تؤديان إلى ترسيخ الدكتاتورية والاستبداد، الأولى أن يردع الدكتاتور شعبه ويرهبه ويضطهد معارضيه، والأخرى أن يتبع بعض أساليب الخداع السياسي، حيث يصور نفسه كالمستبد العادل ذي الأعمال العظيمة، أما السؤال الذي حير المفكرين فينحصر في سبب خضوع بعض الشعوب دون غيرها للدكتاتور، فظهرت في هذا الشأن نظريات عدة، مثل فكرة المفكر الألماني ويتفوجل، الذي يقول إن الشعوب التي نشأت على ضفاف الأنهر لا تثور، حيث يتحكم الملك سابقاً في سير النهر وتنظيم الفيضانات وقنوات الري، وبالتالي رزق الشعب الذي يصبح من المستحيل هنا أن يقوم بثورة على الملك مهما بلغت دكتاتوريته! أما المفكران الأوروبيان ألموند وكولمان فيريان “أن للمجتمعات في الكثير من الدول النامية قابلية للاستلام أمام أنظمة دكتاتورية نتيجة وجودها في مرحلة انتقالية حققت خلالها تطوراً نسبياً في أنظمتها السياسية، لكنها لم تبلغ بعد النضج السياسي الكافي لاستقرار النظام فيها”، كما تحدث آخرون عن أهمية التعليم وتأثير الجهل في استمرار الدكتاتورية وترسخها.
البعض يحمّلون الدكتاتورية كل هزائمهم لا سيما الفكرية، لكنهم عاجزون عن فعل أي شيء للخروج من هذا المأزق، الذي تشترط مواجهته أولاً الإيمان بقيم الحريات والعدالة والمساواة والحقوق المدنية بكل أشكالها، عندها فقط يمكن النهوض والانتصار سياسياً وفكرياً، فالتاريخ سجل أن الأنظمة الدكتاتورية، وإن كانت قد حققت انتصارات ما، فإن جميعها كانت انتصارات قصيرة المدى والأثر، لأن الانتصارات الحقيقية لا تكون إلا في مناخ أنظمة ديمقراطية فكراً وجوهراً وسلوكاً.
