غير مصنف

“الدولة السوبر ماركت”

[جريدة الطليعة 3/4/1996]

تصدرت “دبي” ودولة الإمارات العربية المتحدة عموماً.. واجهة الإعلان.. واحتلت أخبارها صفحات الاقتصاد.. والسوق مؤخراً.. وذلك من خلال مهرجانها التسويقي الكبير والذي اجتذب أعداداً هائلة من البشر زحفت إلى دبي للتبضع والتسوق.. وللاستمتاع بخدمة ورفاهية شركات عالمية كثيرة.
وكالعادة.. وفي كل مرة.. يتخذ حدث كهذا من “دبي” مسرحاً له.. ومقراً لنشاطه وحركته، ترتفع الأصوات في هذا الوطن.. منددة بسياسة الجمود.. منتقدة التدهور الذي أصابنا.. والتراجع الذي ألمَّ بتقدمنا وتطورنا كدولة.. وشعب.. وبالفعل.. فلقد أصبحت الإمارات العربية المتحدة.. وخاصة “دبي”.. وخلال عشرة أعوام.. هدفاً للشركات.. وملتقى لرجال الأعمال.. وسوقاً ضخمة تضج بمختلف البضائع.. والأجناس البشرية.. غير أنها وبلا شك قد فقدت هوية!!
ذكر أحد رجال الأعمال في تعليقه على مناخ دولة الإمارات العام.. أنها تذكره بصالة الفندق الرئيسية أو ما يسمى بـ”اللوبي”.. حيث يلتقي الجميع لقضاء الوقت.. وشرب الشاي.. غير أنه وعندما تأتي ساعة السكينة والاسترخاء.. والانفراد.. يغادر الجميع صالة اللوبي.. ويهجع كل إلى غرفته!!
وتلك لا شك صورة محزنة ومؤسفة لما أصبحت عليه دولة الإمارات!!
حدثتني سيدة أمريكية.. غادرت الوطن في إجازة قصيرة إلى دولة الإمارات.. عن مشاعر الاسترخاء والراحة التي أحستهما خلال إقامتها في دبي.. مقارنة بأحاسيس القلق والتوتر في الكويت!!
وفي مقارنة السيدة هذه لكلا المجتمعين.. سؤال طالما أثار جدلاً حول مقومات بناء الدولة.. خاصة في مجتمعات الوفرة الاقتصادية.. والثروة.. وفي المجتمعات حديثة التكوين والنشأة.
إن القلق الذي يسود هذا الوطن والذي تذمرت منه السيدة الأمريكية يعتبر مؤشراً إيجابياً.. ودلالة صحة!! فالقلق المجتمعي أو السياسي يعني حركة.. وصراعاً!! وبدون الصراع لا تدور عجلة المجتمع ولا الدولة.. حتى وإن كان مجتمع وفرة وتكامل ونمو اقتصادي!!
قد يكون في حديث السيدة الأمريكية بعض الصحة.. من حيث تراجع النمو الاقتصادي في هذا الوطن مقارنة بتوجه الإمارات السريع نحو خلق تكامل اقتصادي متفوق!! غير أن الوفرة على أهميتها في تحقيق تكامل مجتمعي.. ليست شرطاً أساسياً لتطور ونمو المجتمع بصورة طبيعية!! بل وحتى حلم مجتمع الوفرة قد أثبتت تجارب المجتمعات الأخرى أنه أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.. فالحاجة البشرية هي دائماً تزداد مع ازدياد تلبيتها وتنفيذها. لذلك فهي عجلة دائرة باستمرار وبلا توقف.
لا شك أن تطور الدولة والمجتمع في الإمارات العربية المتحدة الآن يعتبر ظاهرة دخيلة على الجسم الخليجي والعربي.. وهي ظاهرة مخيفة نظراً لطبيعة التكوين المجتمعي والسياسي والخليجي!! مما دفع بالبعض إلى إطلاق أصواتهم محذرين من أن تتحول الإمارات إلى سنغافورة أو فلبين أخرى!! فتصبح محطة وقود.. وترفيه.. وتسلية للبوارج والقواعد الأمريكية والغربية التي ملأت شواطئ وخلجان الخليج العربي!! وهؤلاء بلا شك لهم عذرهم في تعبيرهم عن خوفهم هذا.. فلقد تلاشت ملامح الدولة في الإمارات.. حتى لقد أصبحت سوبر ماركت كبيراً.. وهائلاً في حجمه!! وهو أمر يفسر سر أحاسيس السيدة الأمريكية بالاسترخاء والراحة!! غير أنه وبكل تأكيد لا يعبر عن معالم دولة.. ولا يحمل صورة مجتمع واحد!! أما القلق الذي أحسسته السيدة لدى عودتها إلى أرض الوطن.. فهو الآخر له مبرراته!! فسهل جداً أن تبني “سوبر ماركت”.. لكن بناء دولة يتطلب صراعاً.. وجهداً.. لا يخلو من القلق أحياناً!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى