الدكتور الإنسان

الدكتور الإنسان
قد يكون من السهل أن تصبح أستاذاً أو دكتوراً أكاديمياً، فذلك لا يتطلب سوى علم وانضباط وتأهّل أكاديمي.. لكن أن تكون إنساناً، فذلك أمر يحمل من التحدي الكثير.. خصوصاً في هذا الزمن.. لقد اجتمعت هاتان الصفتان في الأستاذ الدكتور أحمد البستان الذي تحل ذكرى رحيله الأولى اليوم الجمعة الرابع والعشرين من سبتمبر.
التقيت الدكتور البستان عِبر ابنته صديقتي العزيزة الدكتورة سعاد البستان.. فالتقيته ضمن إطار أسرته ومجتمعه القريب.. بعد أن كنت قد التقيته في الحرم الجامعي، فتمكنت من رؤيته كإنسان وأب وأستاذ.
في لقاء له مع إحدى الصحف، وصف الدكتور الراحل نفسه بكونه ابناً لأُمّي لا يعرف القراءة ولا الكتابة.. لكن كانت له أفكار ونظرات مستقبلية لبناء الأسرة، حيث كان ذلك الأب يركّز دائماً على أن الإنسان عليه أن يواجه تحديات الحياة.. ثم يسترسل الدكتور الراحل أحمد البستان في وصف المحيط الأسري الذي نشأ فيه، فيقول إن والده كان دائماً ما يُذكّره بضرورة ألا يسأل ماذا يستطيع الوطن أن يقدّم له؟ وإنما من الواجب أن يسأل نفسه ماذا يستطيع هو أن يقدّم للوطن.
بعد مسيرة 39 سنة في التعليم الأكاديمي في جامعة الكويت، ترجّل الدكتور الإنسان أحمد البستان، تاركاً خلفه إرثاً من الثقافة والعلم، وطاقة من الإنسانية قفزت خارج أسوار أسرته الصغيرة لتَستَقر في قلب الكويت، أسرته الكبيرة، وبالطبع كان لبصماته الأثر الأكبر في الجامعة وخارجها.. حيث اهتم بِصَقل مواهب الطلبة ليكونوا قادة للمسيرة التعليمية في الكويت، وذلك بعد أن أرسى تلك القواعد داخل بيته وفي محيط أسرته.. حيث لم يبخل على أبنائه بالتوجيه والتربية الفاضلة، فكان أن خرجت من تحت عباءته الأبوية والأكاديمية الدكتورة سعاد والدكتورة سوزان والدكتورة سناء والدكتورة لميس.
أكاديمياً.. كان له، رحمه الله، أكثر من بصمة في المجال التعليمي، حيث عمل مدرساً في دار المعلمين، ووكيلاً في معهد التربية للمعلمين، ثم مراقب إدارة رياض الأطفال، وهكذا أبحر في محيط التربية والتعليم إلى أن استقر في ما بعد كأستاذ دكتور في قسم الإدارة، بالإضافة إلى إشرافه على 46 بحثاً علمياً!!
ذلك كان الشق الأكاديمي من حياة الراحل، لكن الشّق الإنساني كان طاغياً إلى درجة أنه كثيراً ما لُقّبَ بالدكتور الإنسان، بشهادة زملائه الذين بكوا رحيله، فقد كان رائعاً في أخلاقه، عالماً جليلاً نثَر الحب في أركان الجامعة، ومدافعاً شرساً عن حقوق الأساتذة والطلبة.
شخصياً كان لى الشرف في لقاء الدكتور أحمد البستان والتعرّف عليه عن قُرب، حين أصبحت فرداً بحكم الصداقة من عائلة الراحل الجميلة، وأيقنت معها حقاً أن الأبوّة فن ومهارة، فقد لا تحتاج إلى معلومات ولا سنوات دراسة وبحث، لكنها تنبع وتزدَهر في المحيط الأسري السليم، ففي نهاية الأمر ما البيت إلا مصنع لصناعة الإنسان، والدكتور الراحل كان بالفعل ماهراً في إدارة ذلك المصنع الذي كان ثرياً في إنتاجه.
رحم الله الأستاذ الدكتور أحمد البستان الذي ستبقى ذكراه العطرة عالقة في سماء أسرته وكل من التقاه، فلقد كان حقاً إنساناً قبل أن يكون أستاذاً.



