
الآن، ومع بدء معركة ملاحقة كورونا بالتطعيم، قد يتحقّق انحسار للوباء إما بالمناعة الطبية، وإما بالمناعة المجتمعية، مما يعني احتمال انتهاء الوباء يوماً ما، لكن الخوف منه سيبقى عالقاً وربما لفترة ليست بالقصيرة.
بالنسبة للخبراء النفسيين، فإنهم لا يُخفون قلقهم من تداعيات كورونا النفسية، مثل تفاقم القلق والخوف والوسواس القهري وانعدام الهدف في الحياة بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي، هذا بخلاف تأثير البطالة التي سبّبتها الإجراءات الاحترازية على الصحة النفسية لملايين البشر عبر العالم.
هنالك نهايتان للكوارث عادة، صحية كانت أم اجتماعية وسياسية، نهاية فعلية للكارثة ونهاية للخوف منها ومن تداعياتها، فالحروب مثلاً تنتهي لتُفرِز واقعاً قد يكون أسوأ من الحرب ذاتها، كذلك تأتي الكوارث الصحية مثل التي نحن بصددها، والتي قد يتراجع أثرها الجسدي، لكن ما قد تُخلّفه من آثار نفسية قد يكون من الصعب مواجهتها بنفس الإجراءات ونفس السرعة، لذلك يُصنّف المتخصصون عادة نهايات الكوارث الصحية كنوعين، النهاية الطبية والتي تحدث عندما تنخفض معدلات الإصابة والوفيات، والنهاية الاجتماعية، أي عندما يتلاشى الخوف من المرض.
تَتّضح الرؤية دائماً عندما يهدأ غبار الحدَث، وبما أننا لا نزال في عمق عاصفة كورونا، فإن التكهّن بنهايتها قد لا يكون دقيقاً بالشكل المطلوب، أو بمعنى آخر ليس قبل أن يهدأ غبارها.
قد يكون من الأهمية بمكان أن تبدأ الدول بتنظيم حملات رعاية نفسية، يجب ألا يقل زخمها عن حملات التطعيم، فحجم الخوف الناتج عن الوباء لا يقل فتكاً ولا خطراً من الوباء نفسه، حتى إن بعض الذين عاصروا حروباً عسكرية شرسة يُقرّون اليوم بأن حالة الخوف التي تعتريهم قد تفوق حالة الخوف الناتجة عن الحروب التي عاصروها. ومثلما تعمل الدول على معالجة النتائج الكارثية لأعمال القتل والتدمير والتفجير والتخريب التي تُسبّبها الحروب، كذلك هو الحال مع الكوارث الصحية ككورونا اليوم، وذلك لتأمين عودة للحياة الهادئة والمستقرة وليست التشغيلية فقط.
لقد أجبر الوباء الناس في شتى بقاع الأرض على تغيير أفكارهم وسلوكهم وعاداتهم بشكل قد يُشكّل صدمة للمجتمعات البشرية ستبقى عالقة لسنوات طويلة، فهنالك حالة من الألم المجتمعي الذي سيكبر مثل كرة الثلج بعد أن يهدأ غبار كورونا، ونتمنى ألا يفشل العالم في التعامل مع مثل هذه التداعيات السلوكية والنفسية، مثلما تهاون في التعامل مع الوباء بهيئته الصحية.
هنالك من أطلق على كورونا لقب الدكتاتور التاسع عشر، نظراً لما أثار من خوف وانضباط صارم، وترويض قهري لكل أوجه الحريات المعتادة، مما أدى إلى خروج تظاهرات في شتى دول العالم احتجاجاً على دكتاتوريته وظلمه وبطشه. ومثلما تُخلّف الدكتاتوريات شعوباً خائفة وخانعة ومذعورة، كذلك فعل الدكتاتور التاسع عشر بالعالم، حيث زرع خوفاً وذعراً وقلقاً وتوجساً من المستقبل وعليه، وهو أمر سيتطلّب علاجات نفسية وسلوكية قد تطول.
خرجت أولى محاولات قهر الخوف والقلق من ووهان الصينية، حيث كانت بداية الوباء، فبعد حجر صحي طال 76 يوماً احتضنت المدينة مهرجاناً موسيقياً في أحد المتنزهات المائية، حيث تزاحم الآلاف بلا تباعد اجتماعي ولا كمامات، بهدف تخفيض مستويات القلق والخوف لدى الناس جراء الضغوط النفسية التي سبّبتها إجراءات احترازية لمواجهة الوباء.
الألم الجمعي لمرحلة ما بعد صدمة كورونا، سيبقى إذاً معنا لفترة لا نعلم مداها، وسيحتاج العالم قطعاً إلى فترة نقاهة نفسية تُعيد التوازن السلوكي والنفسي الذي حطّمه وأفسَدَه الدكتاتور التاسع عشر.
