غير مصنف

الدكاترة.. ونظرية التنمية!!

[جريدة الطليعة 4/11/1998]

لا شك أن لكل فكر أو عقيدة أو سياسة مريديها الذين يدافعون عن ذلك الفكر أو تلك العقيدة، كما أن لها أيضاً معارضين وناقدين!! يستخدمون ما يرونه فاعلاً للأخذ من ذلك الفكر أو العقيدة! ولا استثناء هنا للإسلام من جدلية الرفض والقبول هذه!! غير أن للإسلام فكراً وعقيدة، خاصية فريدة يتميز بها عن سواه، ويُقر بها حتى أكثر الملحدين بالدين والعقيدة بوجه عام، وأشرس الناقدين للإسلام بوجه خاص!! فالرسول (الأمي) عليه أفضل الصلاة والسلام كان الأول في تاريخ البشرية المدوّن، الذي (سنّ النظرية) أو بمعنى آخر إنه نشر القرآن ككتاب إلهي، ونادى بالشريعة الإسلامية، ثم عاصر مرحلة تطبيقها، وتحقيقها من خلال الأخذ بالدين الإسلامي والتشريع الرباني قانوناً ومنهجاً ودستوراً فاعلاً ونافذاً!
لذا فإن الذين لا يقرون بإعجاز محمد c ولا يرون في الإسلام، كتاباً وتشريعاً رسالة إلهية أوحى به الله إلى رسوله c!! يدركون أن للإسلام إعجازه الخاص وميزته التي تميز بها عن نظريات وتشريعات البشر الوضعية!!
العلاقة بين النظرية والتطبيق علاقة معقدة ومتشعبة!! فالتنظير بلا آلية فاعلة للتنفيذ هو بلا شك مشروع فارغ ومبهم، كذلك يأتي التطبيق بلا مخطط أو نظرية مسبقة مشروعاً بدائياً بلا هدف أو رؤية تنظم مساره وترسم حدوده!!
ولأن الصعوبة هي دائماً ما تكون في التطبيق لأنه يشترط توافق بين التطبيق وآلياته وبين ظروف وأمور كثيرة فإن التاريخ البشري مليء بالنظريات التي تبدو جيدة ومثالية، إلا أنها عاجزة عن التحقيق!! ولعلَّ في النظرية والفكر الشيوعي ما يؤكد ذلك!! فالاتحاد السوفيتي انهار وتفكك لأسباب تعود مباشرة إلى أخطاء جسيمة في تنفيذ وتطبيق النظرية!!
ونحن لا شك في هذا الوطن لا نختلف عن المدارس البشرية الأخرى!! حيث يمضي مسلسل الإخفاقات الإدارية، والاقتصادية والسياسية، لأن آلية التنفيذ عاطلة أو معطلة!! على الرغم من أن الطريق نحو الخروج من تلك المآزق يفقهه الطفل الصغير!! ما يجعل من (المبادرة) التي تقدم بها وفد من دكاترة الجامعة مؤخراً إلى سمو الأمير من خلال تقديم اقتراحاتهم عن “الكويت وخيار المستقبل”!! مبادرة (ساذجة) بعض الشيء، خصوصاً أن مقدمي تلك المبادرة هم من نخبة المفكرين والعارفين بطبيعة وأسباب وقوفنا عند بوابة المستقبل من دون أن نملك مفاتيح الدخول!!
كنا نتمنى لو أن الدكاترة الأفاضل قد انتهزوا فرصة اجتماعهم بسمو الأمير، وأشاروا إلى الأسباب التي تجعلنا نراوح مكاننا ونجتر أزماتنا!! تمنينا لو أن وفد الدكاترة أفاد سمو الأمير، بالأسباب التي تجعلنا لا نزال في طور كتابة مشروعنا المستقبلي!! كذلك كنا نتمنى لو أن السادة الدكاترة قد طرحوا استفساراتهم عن الأسباب التي جعلتنا – وبالرغم من مرور ما يزيد عن الأربعة عقود من تفجر الثروة الوطنية – لا نزال في طور التنظير، ونظرية المسقبل!! وأيضاً تمنينا لو أن دكاترتنا الأفاضل قد استعرضوا المجلدات الضخمة التي تناولت مشروع كويت المستقبل وتساءلوا عن مصير كل تلك الدراسات التي أُعدت، واللجان التي شُكلت، والتوصيات التي رُفعت!! وأخيراً وليس آخر، كان بودنا حقاً لو أن الدكاترة الجامعيين قد سألوا عن وزارة التخطيط، وعن دورها الغائب في مشروع التنظير نحو التنمية وخيار المستقبل!!
غير أن الواقع يقول إن تلك الأمنيات ستبقى أمنيات، تماماً (كنظريات) الدكاترة الجامعيين التنموية!! وكمشاريع ودراسات وزراة التخطيط المستقبلية!! لأسباب تعود مباشرة إلى سهولة النظرية ووجهاتها، مقارنة بصعوبة التطبيق وعرقه ومعاناته!!
لقد مضت أكثر من أربعة عقود منذ أن تفجر النفط، مبشراً بأدوات جديدة، تمكننا من تأمين مجتمع متكامل، أقل قسوة وأكثر رفاهية فكان أن سيطرت نشوة الرفاهية علينا بصورة جعلتنا نغفل نصيب المستقبل من تلك الثروة!! إلى أن وجدنا أنفسنا الآن ومع مرور كل ذلك الزمن، لا نزال نكتب ونعيد ونُكرر وسائل التنمية وشروطها، من دون أن نخرج بتلك الكتابات إلى حيز الواقعية والتنفيذ!! لأن ذلك سيُسقط عباءات كثيرة!! فكان أن تضاعفت وتضخم تعداد المنظرين والمستشارين، في مقابل التراجع المخيف للمنفذين، والمطبقين لكل النظريات الجميلة، المشوقة، والمستقرة في أوراقنا ومجلداتنا التنموية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى