
على الرغم من انشغالنا اليوم بـ “الكورونا”، فإن الواجب يحتم عدم تجاهل قضايا أخرى مهمة؛ كالقضية التي أثيرت مؤخراً حول اللجان الاستشارية. فمن الواضح أن الكويتيين حساسون جداً حين يتعلق الأمر بالدستور، وقد يكون لديهم حق في ذلك من حيث إنه قد أتى كوثيقة تنظم شؤون الشعب والدولة بعد محطات نضالية طالب فيها أهل الكويت بحقهم في إدارة الدولة وفي التشريع، وذلك منذ عشرينيات القرن الماضي. لذلك، فقد كانت ردود الفعل على اللجان الاستشارية متوقعة، فاثنتان من هذه اللجان ترتبطان مباشرة بالدستور، إحداهما اللجنة الدستورية، والأخرى لجنة قانون الانتخابات. ومن هنا، فقد عبّرت الأغلبية عن رفضها المساس بالدستور عبر لجان استشارية، على الرغم من احترامها وتقديرها لبعض الأسماء التي ورد ذكرها في هذه اللجان.
لا اعتراض إطلاقاً على تعديل الدستور أو تنقيحه، فالتغيير هو من سنن الحياة أصلاً، سياسية كانت أو غيرها، بل إن الدستور نفسه قد دعا إلى التعديل خلال 5 سنوات من العمل به، شرط أن يكون أي تعديل باتجاه المزيد من الحريات. لكن الاعتراض هنا جاء على عدم تبرير الأهداف من وراء مقترح التعديل، خصوصاً في ظل أزمة الثقة التي رافقت مسيرة الكويت الديمقراطية والانتخابات البرلمانية فيها، بدءاً من محاولة تزوير الانتخابات عام 1967، ووصولاً إلى حل مجلسي 1978 و1987، إلى مسرحية المجلس الوطني الذي رفضه الكويتيون بشبه الإجماع.
السؤال الذي يطرحه الكثيرون منذ الإعلان عن التشاوريات هو حول المستجدات التي تدفع اليوم باتجاه فتح مسألة تنقيح الدستور، خصوصاً في ظل تجربة لجنة النظر في تنقيح الدستور، التي سبق أن تشكلت في عام 1980، أي أثناء فترة حل مجلس 1978، والتي لم تخرج سوى باقتراح تعديل عدد نواب المجلس من 50 إلى 60 عضواً.
كثيرة هي محطات الصراع السياسي في الكويت، يشد فيها طرف، ويهادن فيها الطرف الآخر، وهكذا، لكن حين يتعلق الأمر بالدستور يصبح الجميع معنياً بالأمر، وتغلب كفة طرف على الآخر بشكل لافت، أو كما يردد الكويتيون دائماً “دستورنا سورنا”، رافعين شعارهم في كل ذكرى للدستور، ومع كل بزوغ لشمس يوم الحادي عشر من نوفمبر من كل عام.
اليوم نحن في حلبة صراع سياسي يملك فيه طرف كل أدوات التفوق من إعلام وصحافة وأموال وسلطة ونفوذ، بينما لا يملك الطرف الآخر سوى إرادته الشعبية، التي يتم تحجيمها باستمرار، فئوياً وطائفياً وقبلياً. بمعنى آخر، فإن الساحة وبالتحديد الظروف التي نمر بها هذه الأيام، والتي لا تحتمل عبء طرح مشروع تنقيح أو تعديل لأي مادة من الدستور، فالمسألة تشترط الخروج بتوافقية مقنعة تصب في مصلحة الجميع من دون أي تكسّب لفئة دون أخرى، وهو أمر تفتقده الساحة اليوم.
نعلم أن الدستور ليس قرآناً، لكننا، مرحلياً، بحاجة للحفاظ عليه وعلى مواده بشكل يمكّن أولئك الذين يحملون في قلوبهم يقينا بالديمقراطية ومصلحة الكويت من استثمار ما ورد فيه من مواد.
