غير مصنف

الخير.. قوة الكويت الناعمة

24مايو2025

ذهبَت كعادتها لتسلّم دواء والدها المصاب بالسرطان من صندوق إعانة المرضى، فإذا بها تفاجأ بوقف العمل بالصندوق، وذلك إثر وقف جميع عمليات جمع التبرعات، لأسباب ترى وزارة الشؤون أنها تهدف إلى إعادة الترتيب والتنظيم من خلال آليات عمل موحّدة، تتماشى مع متطلبات الشفافية، وذلك حرصاً على سمعة الجمعيات والمبرات الخيرية في الكويت.
لا أتذكر التاريخ بالتحديد، ولكن قد يكون مع نهاية التسعينيات، وكنت قد كتبت مقالاً في جريدة الطليعة، حول ضرورة مراقبة العمل الخيري واللجان الخيرية، خاصة في ظل انفلات واضح آنذاك، حيث كانت حصّالات جمع التبرّعات تملأ الجمعيات التعاونية، والمراكز الصحية، وكل مؤسسات الدولة، ومن دون أدنى قدر من المراقبة أو المساءلة أو حتى المتابعة.
حينها تواصل معي قامة من قامات العمل الخيري الحقيقي، الفاضل الراحل الدكتور عبدالرحمن السميط، مؤسس جمعية العون المباشر ولجنة مسلمي افريقيا، كان التواصل بهدف توعيتي بعدم الخلط بين الجمعيات الخيرية المُسيّسة، والجمعيات التي تُمارِس الخير قولاً وفعلاً، وبالفعل لا يزال الناس في الكويت وغيرها يثقون باسم الراحل، الذي قضى ربع قرن في افريقيا، وتعرّض لكل أشكال المخاطر، بل ويضيفون إلى اسمه علامة جودة الثقة، وبحيث كان التبرع الخيري لجمعية عبدالرحمن السميط ضماناً كافياً بأن يسلك عمل الخير مساره الصحيح.
تأسس صندوق إعانة المرضى في يوليو عام 1979، على يد مجموعة من الأطباء الكويتيين، وهو أول مؤسسة طبية خيرية تعمل على إعانة المرضى، الذين أقعدهم المرض عن طلب الرزق، وتوفير العلاج والأجهزة والمستلزمات الطبية لمن عجز مادياً عن توفيره، لكنه اليوم يقف عاجزاً عن أداء مهمته في ظل القرار الصادر، بشأن تأمين مسارات العمل الخيري والتبرعات.
لا ينكر أحد إطلاقاً أن العمل الخيري في الكويت بحاجة إلى تنظيم، خاصة مع ما يتميّز به من قوة وتأثير، سواء داخل الكويت أو خارجها، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب المبدأ والفكرة ذاتها، فالعمل الخيري مشروع سامٍ، لكن استغلاله سياسياً، وكما شهدنا منذ السبعينيات، هو الذي يحتاج إلى رقابة وضبط ومحاسبة، ومن دون الإضرار قدر الإمكان بعشرات الآلاف من المستفيدين الحقيقيين والأبرياء، فالخلل في العمل الخيري شأنه شأن الكثير من القوانين الإيجابية، التي تم انتهاكها والخروج بها عن محيط أهدافها، ليتحول مع الوقت إلى عبء، بعد إن كان إنجازاً.
في الميزان الاستراتيجي للدول، لا تُقاس الدولة بقوتها العسكرية أو السياسية فقط، وإنما كذلك بما توفّره للإنسان من مساعدات، ومعونات، وخير، يكون بمنزلة القوة الناعمة التي تعزّز من حضورها دولياً، والكويت لها تاريخ ودور فاعل في هذا الصدد، سبقت به دولاً كبيرة تفوقها مساحة وقوة، حيث بدأ العمل الخيري فيها مع افتتاح أول جمعية في البلاد في مارس 1913، وذلك حين قام فرحان الخضير بتأسيس مركز صحي لعلاج الفقراء والمحتاجين، لتتبعه فيما بعد الجمعية الخيرية العربية في العام نفسه، وذلك قبل أن يصدر قانون عام 1962 بشأن الأندية وجمعيات النفع العام، الذي نظّم العملية هنا، لولا خروج بعض هذه الجمعيات عن دورها الخيري، وبنائها لمؤسسات اقتصادية وسياسية، وتحالفات إقليمية ودولية، أضرّت بسمعة العمل الخيري وبشكل كبير، لكن الظروف آنذاك خدمت ذلك البعض من الجمعيات، على الرغم من كل رسائل التحذير بشأن نفوذها وسلطتها في الشأنين العام والخاص، والمحاكم ملأى بالقضايا، التي تم رفعها ضدها، بسبب مخالفتها لقانون العمل الخيري.
لا نريد للكويت أن تفقد شيئاً من قوتها الناعمة هذه، بدءاً بأصغر جمعية خيرية، ووصولاً إلى الصندوق الكويتي للتنمية، الذي دفع بالكويت لأن تحتل المرتبة 36 من أصل 120 دولة، في مدى قدرتها على التواصل مع الشعوب والتأثير من خلال الجاذبية وليس الإكراه.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الكويت-وزارة الشؤون-اللجان الخيرية-الميزان الاستراتيجي-العمل الخيري

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى