
• الخوف من الاختلاف هو السبب الرئيس وراء شح الإبداع وندرة المبدعين في عالمنا العربي، فهل سنظل نخاف من الاختلاف أم سنكون مبدعين وبكثرة؟
يحكى أن رجلاً أعمى جلس على إحدى عتبات عمارة، ووضع قبعته بين قدميه وبجانبه لوحة مكتوب عليها “أنا أعمى أرجوكم ساعدوني”، فمر رجل بالأعمى ووقف ليرى أن قبعته لا تحوي سوى قروش قليلة، فوضع المزيد فيها، ومن دون أن يستأذن من الأعمى أخذ لوحته وكتب عليها عبارة أخرى! ثم أعادها مكانها ومضى في طريقه. لاحظ الأعمى أن قبعته قد امتلأت بالنقود، فعرف أن شيئاً قد تغير وأدرك أن ما سمعه من المارة كان بسبب ما هو مكتوب على اللوحة، فسأل أحد المارة عما هو مكتوب، فكانت الجملة كالآتي: “نحن في فصل الربيع لكنني لا أستطيع رؤية جماله!”.
أن تكون مختلفاً فهو أمر يتطلب أولاً جرأة، وثانياً ثقة، وعلى الرغم من أننا جميعاً نريد أن نكون متميزين مختلفين عن الآخرين، فإن مثل هذه الرغبة تواجهها معوقات اجتماعية ونفسية وعقائدية، وقد قادت شركة Apple الأمريكية حملة دعائية بين عامي 1997 و2002، كان شعارها «Think Different فكر بشكل مختلف»، وصاحب الحملة فيلم دعائي أسمته «المجانين»، تضمن عدة شخصيات شهيرة برزت في عدد من المجالات من مختلف أنحاء العالم، وقد كان أبرزها ألبرت أينشتاين، مارتن لوثر كنغ، توماس أديسون، مهاتما غاندي وبابلو بيكاسو، مشيرة إلى أن كل واحد من هؤلاء فكر بشكل مختلف وصنع نقطة تحول في تاريخ العالم ما زالت البشرية تنعم بتأثيرها حتى يومنا هذا.
قد لا يكون من السهل على الإنسان أن يختلف كثيراً عن النسق العام لمجتمعه، فالاختلاف في التفكير أو في الشكل الخارجي أو في رؤية الأمور، والأشياء غالباً ما تصطدم بموروثات وتقاليد لا تحبذ كثيراً مثل هذا الاختلاف، بل وترى فيه خروجاً عن العرف العام وجرأة غير مبررة، بل إن في أمثالنا الشعبية ما ينتقد مثل هذا الخروج، فالمثل القائل “خالف تُعرف” لا يرمز لإيجابية الاختلاف إطلاقاً وإنما على العكس تماماً! لذلك فإن مساكننا متشابهة في تفاصيلها إلى درجة التطابق، والموضة تصبح أشبه بالقانون غير المكتوب، فجميع النساء يرتدين الملابس نفسها، ويحملن الحقائب نفسها، ويتزين بالساعات والمجوهرات نفسها.
قامت مجموعة من العلماء بدراسة للخصائص النفسية والاجتماعية لمجموعات بشرية، فتوصلوا إلى عبارة شهيرة تقول: “إن الإنسان على نحو ما يشبه كل الناس، وعلى نحو آخر يشبه بعض الناس، وعلى نحو ثالث لا يشبه أحداً من الناس”. لكن القلة هم الذين يجرؤون على الإفصاح عن اختلافاتهم، وهو ما عبر عنه جون ستيوارت مل بقوله: “إن الخطر الرئيس في العصر الحالي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين”.
الخوف من الاختلاف هو السبب الرئيس وراء شح الإبداع وندرة المبدعين في عالمنا العربي، فلقد نشأنا – وبكل أسف – على أن التفكير بطريقة مختلفة أو التصرف بشكل مختلف هما إهانة للمجتمع ومخالفة للعرف العام، فكانت النتيجة أن الأغلبية بقيت متسترة بعباءة التقاليد والأعراف، تمارس اختلافها وتميزها ورؤاها المختلفة في الخفاء، ويتم وصم المميزين والمختلفين بأنهم فئة خارجة عن العرف والتقاليد، ومخالفة للشرع والدين!
