
“حين يصير الفكر في مدينة
مسطحاً كحدوة الحصان
مدوَّراً كحدوة الحصان
وتستطيع أي بندقية يرفعها جبان
أن تسحق الإنسان”
(نزار قباني)
***
ولا شيء يسحق الإنسان حقاً كما الخوف!! فحين يصبح الخوف مسيطراً على مشاعر الفرد ومهيمناً على شؤون يومه!!.. يصبح التطرف ملاذاً.. والعنف هروباً.. والقتل دفاعاً عن النفس!! ويسخر ذلك العقل البشري الجبار، الذي سخر الطبيعة وما فيها في سبيل البحث عن مأوى يقيه من الخوف حتى وإن كان عنفاً يأكل الأرض وما فيها!!
وحين يصبح الخوف سيداً يتقوقع الفرد، ويتردى المجتمع، ويشح الإبداع، وتسيطر البطالة والفقر والجوع والجهل!!
ونحن جميعاً أبناء العالم الثالث بشكل عام وبمعيته العالم العربي بشكل خاص صرعى خوف!! وجميعنا نخاف السلطة.. والمجتمع والأسرة.. والمدرسة!! ولو عاد كل منا إلى الوراء.. كل بحسب فئته العمرية واستدعينا صوراً رسمناها للمدرس وللمجتمع وللسلطة ولرجل الأمن!! لوجدناها صوراً مرعبة!! فالمدرس كان رمزاً للعقاب والتهديد!! والمجتمع مليء بعبارات العيب والخطأ!! والسلطة رمز للقمع.. ورجل الأمن.. أداة لترهيب الطفل وترغيبه!!
وبطبيعة الحال، ووفقاً لمنطق البناء المجتمعي، فإن مجتمعاً خائفاً لا يفرز إلا قوماً خائفين!! وبما أن الخائف لا ينتج ولا يبدع إلا في حدود ما يحميه ويقيه من الخوف بداخله!! فمن الطبيعي إذاً أن تسيطر الديكتاتورية والقمع لتصبح من سمات السلطة في العالم الثالث!! وتصبح العسكرة هي البناء المجتمعي السائد في عالمنا الثالث!!
وعلى الرغم من أن الخوف أصبح هو الطابع الذي يميز حياتنا بشتى مراحلها وعلى مختلف أنشطتها، غير أننا لم نحاول قط مواجهة ذلك القابع بداخلنا جميعاً.
فنحن نعمل خوفاً من المستقبل ونجمع المال يقينا منا بأن الغد لا شك سيجلب الأسوأ!! حتى لقد أصبح البقاء بحد ذاته لمن تصل يده إلى الزناد أولاً!!
قد يرى البعض في أن الخوف سلاح ذو حدين.. وانه قد يكون بجانبه الإيجابي معول من معاول، الإبداع!! فالخائف يكون دائماً حذراً.. مترقباً!! يستبق أسوأ الأمور حتى يأمن ما يخبئه له الغد!! وتلك وجهة نظر ناقضها التاريخ كما يناقضها الحاضر!! فلقد رزحت أوروبا إبان العصور المظلمة السوداء.. خوفاً من الكهنة ومن عقاب الكنيسة الدنيوي!! حتى افترسها الوباء الأسود، فأكل الطاعون أكثر من نصف سكانها، قبل أن يتفجر فيها الخوف إبداعاً.. قاد المجتمع الأوروبي إلى ثورته الصناعية التي أعادت الهيكل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع الأوروبي.. قبل أن تدفع إلى الثورة الفرنسية.. التي قضت على آخر معاقل الخوف في النفس والجسد الأوروبي!!
لقد تسرب الخوف إلى أسمى المبادئ والقيم الدينية التي بحوزتنا!! وعلى الرغم من أن الرسول c.. قد استعاذ من الخوف!! غير أننا نصر على أن نبدأ العلاقة مع الله عبر الخوف!! وعلى الرغم من أن ديننا الحنيف يرى أنها علاقة يبنيها الحب وتؤسسها الطمأنينة والتقرب. كما الطمع والخوف غير أننا نصر في التأكيد على جانب الخوف.. أكثر مما ندعو إلى الاطمئنان لمغفرة الخالق ومحبته!!
حتى لقد تقلصت مبادئ العلاقة الدينية لتصبح قبراً مظلماً.. وعذاباً مبرحاً!! على الرغم من أن الوصول إلى الله يكون أيضاً عبر العمل الصالح.. والتبسّم في وجه أخيك المسلم.. وصلة الرحم.. بل وإماطة الأذى عن الطريق!!
وبطبيعة الحال فإن الخوف إذا كان مسيطراً، تصبح الحظوة في الاستمرار لمن يستطيع تحقيق الاستقرار عبر العنف والقتل!! ويصبح التغيير مرادفاً للفوضى والضياع!! ويصبح بذلك بقاء حاكم من مثل “صدام حسين” مصدراً للاستقرار وأماناً من أطماع معارضين لا يقلون شراسة عنه إذا هم استلموا سدة الحكم!!
ويصبح الحديث عن الحقائق مصدراً لشق الكيان المجتمعي.. وإثارة النزعات العدوانية والعنف المختبئ!!
إن الخوف لا يقتل العنف بل يجعله متراكماً، وبحيث يصبح العنف أكثر شراسة ووبالاً!! وإذا كانت الحقائق العلمية قد أثبتت نظرياً، وفي تجارب المعامل كما في الحياة، أن التراكم يولد انفجاراً أقوى وأكبر!! فإن الحقائق التاريخية أكدت ذلك أيضاً من خلال أحداث اتخذت من كتب التاريخ أطروحاتها النظرية.. ومن واقع المجتمعات تجاربها المخبرية!! فانبذوا الخوف.. إنه آفة الإبداع!!
