
يرفض الكثير منا نظرية المؤامرة في تحليله للأحداث التي عبرت بها منطقة الخليج منذ بداية التسعينيات من هذا القرن!! خاصة ما يتعلق منها بمسألة غزو النظام العراقي للوطن.. وما تبعها من تداعيات وأحداث نعيشها الآن!! البعض يفسر رفضه ذلك بكونها – أي المؤامرة – تحمل تجاهلاً لمسؤولية أنظمة دول الخليج إلى حد كبير.. في بناء ومساندة النظام العراقي.. على الرغم من كل دلالات العنف والديكتاتورية التي كان يتعامل بها مع شعبه وجيرانه!! أما البعض الآخر.. فيرى أن نظرية المؤامرة.. هي من مخلفات الحرب الباردة.. والصراع الثنائي الذي كان قائماً وأن القوة السائدة في ظل النظام الدولي الجديد.. والممثلة بالولايات المتحدة.. ليست في حاجة إلى مبررات.. وخطط لفرض سيطرتها ونفوذها على أي من مناطق الصراع في العالم!!
الآن وفي ظل التحولات التي تعيشها المنطقة.. لا يمكن أن نصف ما يجري بكونه محض صدف متتالية.. أو استغلالاً لظروف قائمة وموجودة أساساً!! وإلا كان ذلك جهلاً من جانبنا – نحن الطرف الأضعف – بقواعد العمل السياسي.. واستهتاراً بقدرات الطرف الأقوى – ممثلاً بالغرب الصناعي – وبخططه التنظيمية وترتيباته المستقبلية!! خاصة إذا ما اعتبرنا أن الجانب المقابل للمؤامرة والخطة.. هو الفوضى.. والتخبط!! ولا يتصور أحد منا أن ما نشهده من تداعيات لأحداث المنطقة هو نتيجة لفوضى.. وتخبط!! لذا فإننا وطبقاً لمنطق اللافوضى واللاتخبط.. لا نستطيع أن نعزل التوغل التركي في شمالي العراق.. عن (عملية الخليج 90) والتي بدأت أولى خطواتها التنفيذية صبيحة يوم الثاني من أغسطس عام 90!! وإذا كان البعض يرى في ذلك التصور تطرفاً.. وجنوحاً نحو اللا واقعية في التحليل والرؤية!! فإن ذلك ينبع من افتقادنا نحن لذات الوعي والإدراك للتشابك والتداعي في الأحداث التاريخية والسياسية!!
من مراحل الهدوء التي سادت المنطقة.. إلى ما قبل نهاية السبعينيات.. كان الكثير منا يرى في الحدود التي خلفها الاستعمار.. تأجيلاً لصراعات ونزاعات مستقبلية!! وبأن أي عملية لإعادة ترتيب جغرافية أو سياسية للمنطقة في أي مرحلة قادمة ستكون أمراً سهلاً.. ويسيراً!! وهو ما يتم الآن تطبيقه من خلال (عملية الخليج 90)!!
المخيف في المسألة هنا.. أننا في هذا الوطن نشكل مع الشمال العراقي.. مفاتيح لإدارة وتفعيل أي تغيير مطلوب سياسياً كان أم جغرافياً!! فكما كنا طرفاً في (كبح جماح) الثورة الإسلامية الإيرانية.. كنا كذلك طرفاً.. في ترويض الثعلب العراقي المراوغ.. وكسر حدة طموحه!! فإن الشمال العراقي.. سيكون طرفاً في المزيد من الضغوط على القيادة السورية لتقديم تنازلات في مفاوضاتها الثنائية مع تل أبيب على مستوى السفراء!! كذلك (يلعب) الشمال العراقي دوراً في تطويع إيران في معركتها الدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية!! وبذلك.. فإننا لا نستطيع أن نخرج من دائرة نظرية المؤامرة.. سواء في رؤيتنا لما حدث في الثاني من أغسطس.. أو فيما يحدث الآن من خلال (“عملية فولاذ”) التركية في شمالي العراق!! وإذا كنا في هذا الوطن.. نحاول عاطفياً.. أن نجد تفسيراً إنسانياً.. ودافعاً حضارياً.. للنجدة التي أنقذتنا من مخالب الثعلب العراقي.. فإن الغرب يبدو متمسكاً برؤاه العملية التابعة من خطه البراجماتي العملي.. والذي لم يأت بسبب أحداث الثاني من أغسطس وحسب.. وإنما بناء على نظرة شاملة لمستقبل الغرب في المنطقة أو كما عبرت عنها دراسات أمريكية استراتيجية.. مثل تقرير الخبير الأمريكي (غي بوكر) والذي جاء فيه “إن البشرية تدخل مرحلة من عدم الاستقرار الاجتماعي المتزايد.. وتواجه احتمال انهيار النظام العالمي نتيجة للمواجهة الحادة بين العالم الثالث والديمقراطية الصناعية.. ومن المتوقع أن تنشأ نزاعات حادة كحرائق السهول.. ولأن الولايات المتحدة وحدها هي التي لديها القدرة العسكرية للإحاطة بهذه الحرائق الهائلة والسيطرة عليها.. فيتوقع منها استعمال قوتها العسكرية لمنع الانهيار الكامل للنظام العالمي.. أو على الأقل لحماية المصالح الخاصة للمواطنين الأمريكيين”. وهو تقرير نشر في العام 1977.. أي قبل أن تتجلى ملامح الصراع في المنطقة إثر سقوط الشاه الإيراني.. وصعود الثورة الإسلامية الإيرانية!!
الرافضون لنظرية المؤامرة.. يرون أن رفضهم هذا منطقي.. ومتماشٍ مع طبيعة قدراتنا المحدودة.. سواء على المواجهة.. أو التحدي!! وهو ما يرفضه الآخرون على الطرف المقابل.. والذين يرون أن محدودية القدرة.. لا تفرض تجاهلاً.. أو جهلاً لما يحيط بنا من أحداث!! فالقضايا التي قد يثيرها حدث سياسي ما.. والذي قد نرى فيه واقعاً خارجاً عن جغرافية حياتنا وشؤوننا اليومية هو بلا شك محرك ومؤثر لقضايا تمس أدق التفاصيل في حياتنا اليومية!! خاصة وأن الحدود في السياسة هي حدود واهية.. من الصعوبة بمكان تحديدها!! أو وضع علامات فاصلة لبداياتها ونهاياتها!!
ومن هنا فقد بات علينا أن لا نخرج الأحداث القائمة في الشمال العراقي الآن من دائرة شؤوننا!! ويكفي أن نتذكر.. أننا قد اقترفنا خطأ مشابهاً لهذا يوم اعتبرنا الثاني من أغسطس عام 90 تاريخاً لبداية الانهيار والصراع في المنطقة!! وتعاملنا بذلك على ضوء تلك الحقيقة!! بينما يعود الغرب إلى تاريخ آخر للبداية.. ترجمته كلمات “هنري كيسنجر” حين قال: “إن قرار رفع الأوبك لسعر النفط في ديسمبر 1973 هو أحد الأحداث المحورية في تاريخ القرن”!! وتم التعامل على هذا الأساس والمنطق!!
