
مشكلة المشاكل في الكويت أن الفساد أصبح مسألة نسبية، وأن الخطأ قد يبدو هزيلا بمقارنته مع خطأ أكبر، فكان أن تراكمت السيئات وأصبح الفساد ككرة النار كلٌ يقذفها باتجاه الآخر!
هنالك خطر حقيقي يهدد أمن الكويت السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ونحن لا نزال نراوح في مرحلة علاج القشور، ودراسة الظواهر وتجاهل الأسباب.
المعركة كانت، والى وقت قصير، في كفة المعارضة، وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هكذا معارضة، إلا أننا لا نستطيع تجاهل الزخم الجماهيري الذي أججته في ندواتها وتجمعاتها الساخنة.
بقيت الكفة الرابحة من نصيب المعارضة إلى أن تم اقتحام مجلس الامة، فمالت الكفة وخسرت المعارضة كثيراً، وأولى خسائرها أن حادثة الاقتحام قد غطت وبشكل كبير على جريمة انتفاخ حسابات بعض النواب، وتجاوزت أساس المعركة التي كانت تتلخص في ضرورة المساءلة السلمية وعدم شخصنتها.. ورفض ديمومة الإدارة بهذا الشكل.
انتفاخ حسابات بعض النواب هو نتيجة طبيعية لمحاولة النظام الدؤوبة إحباط كل مسعى للكشف عن أي تحويلات مشبوهة، وبشكل يعكس القاعدة تماماً ويصبح المتهم هو المجني عليه، وكما حدث في قصة الشيكين التي تحولت من قضية فساد بيّن إلى تهمة تجسس واختراق لقانون السرية المصرفية!
ومثلما أصبح اقتحام مجلس الأمة هو القضية، وهو الخطيئة، وليس ذمم بعض النواب التي تورّمت بفعل الملايين، كذلك كانت حال حادثة الشيكين التي أسقطتها خطيئة اختراق السرية المصرفية.
قلناها، ونكررها أكثر من مرة، أن البلد مخترق من قبل مؤسسة فساد أصبحت، وبفعل تخاذل القوانين، أقوى من الدولة بمؤسساتها! وما حسابات النواب المشبوهة سوى نتاج طبيعي لسيادة مؤسسة الفساد التي أثبتت أنها قادرة على حماية أعضائها، ومن في رعايتها، حتى وإن كان ذلك مخالفاً للقوانين.
أزمة الكويت ليست أزمة رئيس حكومة، ولا هي في وزراء ضعيفين، ولا مجلس نيابي مرتشي، وإنما هي في أساسها أزمة ضعف في مواجهة مؤسسة الفساد التي اخترقت بدورها جميع مؤسسات الدولة بما في ذلك مجلس الأمة المنتخب.
إذاً، ما لم تُفعّل القوانين، ويحاسب المفسدين، وتزول قدسية البعض في استحقاقهم للاستجواب والرقابة؟ ستبقى الحال على ما هي عليه، وتبقى الأخطاء في انتظار خطيئة أكبر لكي تخفي معالمها، وسيبقى بذلك اقتحام مجلس الأمة خطيئة لا تقارن بخطأ انتفاخ حسابات النواب.
