
تقول الأسطورة إن “زيوس” كبير آلهة الإغريق، كان متزوجاً أخته “ديميتر” آلهة الزراعة والطبيعة.. وحيث أنجبت منه ابنتها “بيرسيفيني” آلهة الزهور، فحَدَثَ أن أُعجِبَ بها الإله “هيديس” ملك العالم السّفلي، فقام باختطافها بالاتفاق مع “زيوس”، وأخَذَها إلى العالم السّفلي حيث تزوجها هناك.. حزِنَت أمها “ديميتر” عليها كثيراً، وبسبب حزنها توقّفت الزهور والمحاصيل عن الظهور وساد القحط.. فتوسّلت “ديميتر” لدى “زيوس” فقام “هيديس” بإعادة “بيرسيفيني” إلى أمها.. ومع عودتها عادت المحاصيل والزهور والنباتات للظهور مجدداً فأشرقت الطبيعة.. ومن حينها صار الاتفاق أن تزور “بيرسيفيني” العالم السفلي وتلتقي زوجها “هيديس” لأربعة أشهر في السنة.. فأصبحت زيارة “بيرسيفيني” للعالم السفلي إيذاناً بقدوم الخريف وتوقّف المحاصيل والزهور.. وتساقُط الورق وحلول الخريف بكل صوره.. ثم لتعود الثمار والأشجار للنمو بعودتها من العالم السفلي كل عام إيذاناً ببدء الربيع.
تلك كانت أسطورة اليونانيين القدماء لتفسير حلول فصل الخريف.. حيث دأبت الأساطير اليونانية على صياغة قصة أو حكاية تَصف بها كل الظواهر الطبيعية، بما في ذلك تواتر فصول السنة.. ومن قبلهم كان للبابليين والسومريين أساطيرهم التي تشرح الظواهر الطبيعية فجاء مُسمى شهر تموز.. وهو الشهر المرتبط بالصيف في التسمية السومرية “ديموزي” أي إله المياه، حيث تحكي الأسطورة بأن الإله “ديموزي” قد وقَعَ في غرام آلهة الخصب والحب والجمال “عشتار” وعاش الاثنان في نعيم وأُطلِقَ على بيتهما اسم “بيت الحياة”، في إشارة إلى أن هذا الزواج المقدس قد جَمَع بين إله الحب وإله المياه والنباتات.
قد يكون لكل فصل من فصول العام سِمَته الطاغية والمميزة.. لكن يأتي فصل الخريف ليَتَصدّر منبر التميّز، فهو الفاصل بين هدوء الصيف والربيع ورتابتهما، ورعونة الشتاء وغضبه وسخطه، فيأتي على هيئة عاصفة من الألوان تمحو كل ما رسمه الربيع وما خطّه الصيف ليَقلِبَ صفحة جديدة عذراء التضاريس، ويُقدّمها للشتاء الذي يبدأ بدوره في رسم تضاريس ومعالم جديدة.
اقترن الخريف بفكرة الموت لدى الكثيرين، لكنه موت يُبشّر بلا شك بحياة جديدة.. فلولا جنون الخريف وريشته العاصِفَة التي مسحت بشقاوة كل ما سبقها من بصمات لما حلّ الربيع، ولما تمكّن الشتاء من فَرْش عباءته البيضاء ولما كان للصيف فرصة الشروق.
مع كل ما يحمله الخريف من جمال وأناقة في الألوان.. وسحر في الحركة.. وثقة في الخطوة.. إلا أن الكثير يصفه بموسم الهرم والموت والوداع؛ فالأشجار تفقد ورقها الذي يتساقط مُضرّجاً بدماء الفصل الشقي، والطيور تُغادر أعشاشها باتجاه خط الاستواء.. وتنشط حيوانات وحشرات كثيرة في تخزين الغذاء خوفاً من قدوم الشتاء والبرد، لكن أيّاً من ذلك لا يعني أن الخريف هو موسم وداع أو هروب.. فالشجر ينزع رداءه ليرتدي زياً جديداً فيما بعد، والطيور تهاجر لتَضَع بيضها وتعود به صغاراً أحياء.. أما باقي المخلوقات.. فيأتي الخريف ليُشكّل موسم العمل والنشاط وذلك في عملية تخزين الطعام وتوفيره.
الخريف هو مجموعة من الفصول والألوان وليس فصلاً واحداً.. فهو يحمل من الربيع صَحوَه وأناقته وغروره.. كما فيه بعض من سخونة الصيف وقسوته.. كذلك يحمل الخريف شيئاً من قوة الشتاء وسطوته ورعونته.. الخريف هو السيمفونية التي تُطلِق كل أوتار الطبيعة.. هو ليس شهر الموت والوداع، بل شهر نَزَق الألوان وعربدة الطبيعة وبوهيميتها الجامحة.. والقادمة بألف لون وهيئة.. الخريف هو رداء الطبيعة الأكثر أناقة.. وهو الحكاية التي خرجت من كل الأساطير التي دوّنتها جميع الحضارات، هو فصل بدء الحياة وإعلان عودة الروح في المخلوقات كافة، فلولا تلوّن الورق وسقوطه.. لما خَرَجَت ألوان الربيع.. وازدهرت النباتات ولما عادت “بيرسيفيني” إلى أحضان أمها “ديمتير”.
