الأرشيف

الخروج عن المألوف

[جريدة القبس 18/3/2023]

اقتحم مفهوم “التفكير خارج الصندوق” الثقافة العربية وبقوة أخيراً، بعد أن كان نهجاً غير مُستحَب وشبه مكروه.
فالتفكير خارج الصندوق يعني بشكل أو بآخر خروجاً عن المألوف، وهو أمر كثيراً ما رأت فيه المجتمعات العربية، وبشكل عام، اختراقاً للأعراف، وتمرّداً على التقاليد والمألوف في التفكير، وخروجاً عن الجماعة أو العائلة أو القبيلة، وغيرها من انتماءات اعتدناها في مجتمعاتنا.
اليوم تتسابق الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية والتربوية لاستقطاب أولئك الذين يفكرون خارج الصندوق، أو بمعنى آخر يملكون الشجاعة لاختراق وتجاوز المألوف.
وذلك بالمناسبة أمر ليس سهلاً دائماً، فهو يستدعي مقوّمات في الشخصية، تأتي في مقدمتها الشجاعة والمعرفة والثقة، إضافة إلى كَسْر حاجز أو تجاوز منطقة الراحة، التي عادة ما يحثّنا عقلنا الواعي وغير الواعي على البقاء فيها، خشية مواجهة ما هو غير مألوف، أو ما بإمكانه أن يشكّل تحدياً لعادات أو معتقدات أو تقاليد، وهو بالتحديد ما يجعل أغلبية الناس يتمسّكون بمنطقة الراحة هذه لكونها أقل تكلفة اجتماعياً وفكرياً، وأوفر جهداً على العقل والوعي بشكل عام.
منطقة الراحة هذه تُعرّفها المراجع بأنها حالة سلوكية يمارسها الشخص بلا توتر أو خطر، بسبب اعتياده على ممارستها ضمن إطار روتيني محدد، ينتج عن هذا الروتين تكيّف ذهني يُعطي الشخص شعوراً غير واقعي بالأمان، لكن في الوقت نفسه يحد من قدرته على التقدم والإبداع والتميّز.
اليوم تحوّل الشباب، ولأسباب مختلفة، يأتي على رأسها ما وفّرته التكنولوجيا من نوافذ عدة، عن تلك المنطقة المريحة، وبدأت جماعات منهم في البحث والتجوّل خارج المألوف أو خارج الصندوق، بالرغم من المعوقات التي ما زالت تشكّل حجر عثرة أمام محاولاتهم هذه، وأصبحت الكثير من المواقع الإلكترونية توفّر حلولاً وأساليب حول كيفية مغادرة منطقة الراحة هذه أو التخلّص منها تدريجياً، وهو أمر لن يكون سهلاً على الإطلاق في مجتمعاتنا، التي يغلب عليها التفكير المُعلّب والوعي المنقول والإدراك المُلقّن.
تأتي الراحة بشكل عام نقيضة للإنتاج والإبداع والجهد، الأمر الذي يمنح أحياناً إحساساً زائفاً بالأمان، لذلك ليست بالضرورة أن تكون مغادرة منطقة الراحة أمراً مقلقاً، بل قد تكون على العكس من ذلك تماماً، فاقتحام هاجس القلق قد يؤدي إلى التعامل معه بشكل متميز ومفيد ومُعزّز للقدرة على التعامل مع المتغيرات والتحولات في الحياة.
لطالما حاربت مجتمعاتنا العربية صفتي التميّز والاختلاف، باعتبارهما تمرّداً وخروجاً عن المألوف والعادات والتقاليد وغيرها من الثوابت المجتمعية، لكن الزمن اليوم هو غير الزمن، ولم يعد معه بالإمكان قمع أو خنق بوادر التميّز والاختلاف، بعد أن أصبحت للشباب شبكة تقاليد ومنظومة عادات افتراضية عالمية مشتركة، اختلطت معها وتشابهت فيها الكثير من الملامح المتعلّقة بالعادات والتقاليد والفكر والإبداع والتميّز، فأصبحنا معها نرى الكثير من الشباب في مجتمعات كانت تُعتَبَر نائية أو نامية ينادون بالخروج عن المألوف، والتعبير عن ذلك من خلال أعمال ريادية وإبداعية، تحمل من استقلالية التفكير أكثر مما تحويه من عبودية وتبعية التقليد، وهؤلاء قطعاً بحاجة إلى الدعم، معنوياً كان أو عينياً، لأن في خروجهم عن المألوف تحطيماً للصندوق الذي طالما حجب ضوء التفكير والتميّز والاختلاف والإبداع عن عالمنا العربي بشكل عام.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى