الأرشيف

الحوار همساً!!

[جريدة الطليعة 3 - 9 /5/2000]

ذكرتنا قضية الطفل الكوبي “إيليان غونز اليس” بقضية الاعتداء على طالبة المعهد التجاري فعلى الرغم من أن لكلتا القضيتين مرجعهما القانوني الواضح، إلا أن ذلك لم يغير شيئاً من حاجة تفاعل الشارع والعامة معهما!! وهذا التفاعل بالتحديد هو ما تحاول جهات رسمية وشعبية إلغاءه أو تجاهله في حالة الاعتداء على الطالبة الكويتية!! فالدعوة شبه الرسمية التي أشارت إلى ضرورة عدم إثارة القضية إعلامياً أو بمعنى آخر إلى الحديث بالهمس وبالخفاء، تؤكد درجة جهلنا أو تجاهلنا للدور الذي يلعبه الإعلام المقروء والمرئي، والأثر الذي يشكله الشارع على كل القضايا سياسية كانت أم اجتماعية أم فكرية!! كما يدل تعاملنا الرسمي والشُّعَبْي مع هذه القضية على طبيعة فهمنا للحرية بشكل عام!! فنحن وبلا استثناء نخشى التعبير بحرية أو الحديث بحرية أو التفكير بحرية!! فمن حق الإعلام بل ومن واجبه أن ينشر ويتقصى ويتحدث، ومن حق الطرف الآخر في المقابل أن يرد وأن يدافع ويوضح ولن يؤثر ذلك في مجرى القضية بأي شكل، كما يتصور البعض أو يصور، لأن للقضاء سيادته وللعدالة قوانينها الثابتة، وقضاتها النزهاء!!
ففي العالم بأكمله يتحرك الإعلام وبكثافة حين يتعلق الأمر بقضية رأي عام تمس المواطن مباشرة!! وهو بتصوري ما ينطبق على قضية فتاة المعهد التجاري التي جعلت كل أسرة مذعورة خشية أن تتعرض بناتها لما تعرضت له تلك الطالبة!! ولم يحدث أن تحول مجرى أي قضية أثارها الإعلام بصورة جعلتها تتناقض مع القوانين المعمول بها!! إن الديمقراطية بمفهومها الشامل والواسع تعني تفعيل الشارع وإشراكه في الأحداث سواء من خلال المجالس المنتخبة أو من خلال مساهمات العامة في ما يحدث سواء شفوياً أو كتابياً!! وهو بالتحديد ما عجزنا عن الوصول إليه في مشوار الديمقراطية وذلك على مستوى العالم العربي بشكل عام!! لذلك فقد بقيت الديمقراطية معزولة عن المواطن وعن الشارع ومقتصرة على أولئك (المحظوظين) الذين تقلدوا مناصب إدارية أو تشريعية!! لذلك فقد نشطت أنظمة الحكم العربية واجتهدت في امتلاك المؤسسات الصحافية والإعلامية، أو في احتوائها وتحييدها تجاه كل القضايا!!
قد يكون الصراع على امتلاك سلاح الإعلام صراعاً مشروعاً وقائماً في كل دول العالم. لكن أثره يبقى بالغاً وتبرز سلبيته أكثر في مجتمعاتنا حين ندرك بأن حرية النشر والرأي والتعبير موزعة ومقسمة على الرغم من كل ما تدعيه الأجهزة الرسمية من حياد وتجرد!! وأن حرية الرأي ليست نتيجة للتوازن الذي وصل إليه المجتمع، وليست أسلوباً لتلبية حاجات المجتمع سلمياً، وإنما هي وبكل أسف آلة كثيراً ما تستخدم لتأليب فئة على فئة أخرى!! وقد لمسنا ذلك واضحاً في قضية طالبة المعهد التجاري، التي تدير تفاصيلها جماعات الإسلام السياسي الذين مارسوا “القصاص” بحق الطالبة، ولن يعفيهم من تلك الإدانة مكان وقوع الحادثة!! فالاعتداء وقع والقانون هنا واضح وصريح وعادل بشأن مثل هذه القضايا!! ولو كان الأمر عكسياً أي لو كان وقع بحق تلك الجماعات، لما صدرت أوامر التهدئة وضبط النفس وعدم الإثارة الصحفية والإعلامية!!
لقد عبر الكاتب “خليل حيدر” وبدقة عن تداعيات قضية طالبة المعهد التجاري، حين وصفها بأنها القضية أو الفتاة التي أيقظت القرية!! فلقد أيقظت فينا قضية الطالبة حاجات واحتياجات كثيرة، أهمها على الإطلاق حاجتنا إلى مؤسسات مجتمع مدني فاعلة وناضجة، من صحافة وقضاء وقوانين، وأحزاب، وجمعيات، وإعلام، نضمن من خلالها مشاركة ومساهمة أوسع للمجتمع بكل فئاته تجاه كل ما يمسه من قضايا!! لينقطع الطريق بذلك على هواة الرأي الواحد، والفكر الشمولي ويصبح بذلك الاحتكام إلى الحوار والمنطق مدخلنا نحو بناء وإصلاح المجتمع والفرد، وليس العنف والإرهاب والضرب!! كما أيقظتنا طالبة المعهد إلى خطورة تقلص وتراجع الدور الجماهيري في التأثر والتأثير بالقضايا. وهو أمر يرتبط مباشرة بالدور المتواضع الذي تلعبه الصحافة والإعلام في مخاطبة الشارع والمواطنين!! وبتلك الدعوة الرسمية إلى ضرورة الحديث والحوار همساً لكي لا نقلق سبات الأسرة الواحدة!!؟

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى