الأرشيف

الحوار من وجهة نظر فيزيائية!

[جريدة القبس 12/8/2014]

. لا نزال نعيش فترة حروب الحوارات وليس الحوارات كأساس للتواصل.
في ظل التخبط والتعصب اللذين تعانيهما ثقافة الحوار في عالمنا العربي بشكل عام، شد موضوع نشرته أخيراً جريدة الحياة انتباه الكثيرين، تطرق فيه الباحث لمفهوم الحوار من وجهة نظر علمية بحتة!
ديفيد بوم هو عالم معاصر وله مساهماته الثرية في واحدة من أهم الكشوفات الفيزيائية في العصر الحديث، ونعني هنا منجزات النظرية النسبية ونظرية الكم التي غيرت جوهر تصور البشرية للكون والطبيعة إلى الأبد!
إسهامات بوم لم تقتصر على إنجازاته العلمية فقط، بل تجاوزت ذلك إلى إسهامات أخرى ساهم فيها كإنسان، كانت الحرب العالمية الأولى التي عاصرها دافعاً له جعله يخوض علمياً في أسباب فشل التواصل والتعايش السلمي بين البشر!
ديفيد بوم كان من الذين شكلت أهوال الحرب لهم دافعاً لمحاولة البحث عن طرق صحيحة يمكن أن يتجاوز البشر بواسطتها خلافاتهم ويجلسوا للتحاور بدلاً من اللجوء للحروب المدمرة!
قضى ديفيد بوم سنوات طويلة في أبحاثه بهذا الصدد، والتي تمخضت في ما بعد عما أصبح يُعرف بـ “فلسفة بوم الحوارية” والتي لخصها في أن جوهر التواصل بين الناس يتحقق في عملية التواصل المشتركة لا في إنتاج معنى مشترك، ومما لاحظه بوم خلال تجربته في الحوارات الجماعية أنه من السهل علينا ملاحظة كيف يحجب الناس تفكيرهم بانفعالاتهم وتعصباتهم، ولكنه من الصعب علينا إدراك كيف نحجب نحن تفكيرنا بانفعالاتنا وتعصباتنا!
فلسفة بوم الحوارية التي استعرضتها جريدة الحياة باختصار في أحد أعدادها قد تبدو معقدة بالنسبة للكثير منا، لأننا لا نزال نعيش فترة حروب الحوارات وليس الحوارات كأساس للتواصل!
فنحن جميعاً نتعامل مع أفكارنا ومعتقداتنا دون أن ندرك مصدرها، أو بمعنى أصح أسلوب وطريقة التفكير التي أنتجتها وأخرجتها للعلن!
لذلك يفشل أغلبنا في استيعاب الأسباب التي تجعل الآخر غير قادر على فهم الأمور كما نتصورها!
قد يفشل الحوار وقد ينجح، لكنه يبقى دائماً المرآة التي تعكس نظرتنا إلى الآخر، أو كما يقول بوم إن الحوار بهذا المنطق يتيح للفرد أن يرى كيف يفكر الآخرون بطريقة مختلفة في القضية ذاتها التي يفكر فيها!
المؤسف أننا كمجتمعات عربية لا نزال نرى في مثل هذا الطرح فلسفة أكثر من أن يكون حقيقة علمية قابلة للتحقق!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى