
نحن ولا شك وطن صغير في حجمه، خاصة إذا ما قورن بمن يحدنا جغرافياً وطن استطاع المواطن فيه أن يتجاوز حجم الرقعة الجغرافية ليطاول غيره من الدول بمكتسباته السياسية والاقتصادية.
وحين هبت رياح الغدر وتغرب المواطن عن جغرافية المكان، زاد إصراره على التمسك بمكتسباته الحضارية من ديمقراطية وحوار. فاجتمع الجميع في مؤتمر جدة تأكيداً منهم وإصراراً صلباً على التمسك بما لم تنجح آلة الحرب على اقتلاعه.
مقدرتنا على الحوار هي ما يميزنا عن الآخرين، وبالحوار فقط استطعنا أن نخطو الخطوة الأولى نحو التحرير. فمؤتمر جدة الذي تكاتف فيه أبناء الوطن هو الذي أثلج صدور المناصرين للحق، وهو الذي أرهب عدونا.. لم نلجأ لتجميع فلول الجيش، فتلك خطوة متواضعة أمام فلول المغتصب.. بل لجاناً للديمقراطية.. والتي نملك منها ما يفوق ولا شك ما يملكه عدونا.
الآن وبعد أن انقضى الزمن الحالك، نحاول جهدنا أن نجهز على ما عجزت عنه آلة الحرب.. فيتراجع الحوار هنا ليصبح قذفاً.. وشتماً.. ونميمة.. وتتراجع مهمة أجهزة الإعلام لتصبح ميكروفونات للهجوم والاتهامات، على الرغم من أن رصيدنا الأضمن للحفاظ على بقائنا ووجودنا، ما زال معلقاً على الحوار المثمر الذي يقود إلى الحركة والعمل.. حتى مع محاولاتنا الواهمة للتسلح وبناء الجيش باعتباره الأسلوب الصحيح للبقاء.
ومن بعد كارثة غزو الوطن، لا نزال ولا شك نقف على مفترق الطريق.. ولا تزال هناك أمور كثيرة نلتمس سبلاً أعقل في فرزها، أموراً تتناول مصائر المواطن والوطن معاً.. فنحن ما نزال في حالة مربكة لا نعرف من أين ولا كيف نبدأ من جديد.. نعجز عن تمييز الأساسيات، ونخلط بين الأسباب ونتائجها. وفي خضم كل ذلك الفرق، نحن أحوج ما نكون إلى حوار عقلاني يستند إلى الاحترام والرغبة الحقيقية في التعاون.
لعلَّ الانطباع الأول الذي سيخرج به أي متتبع لأسلوبنا في الحوار، وما يطرح للحوار في الآونة الأخيرة وخاصة على صفحات الجرائد، هو بلا شك انطباع سيء، يفسر عجزنا استيعاب المناخ الديمقراطي.. بل وقد يفسر خطأ بأنه نتيجة للحرية التي تتمتع بها الصحافة في هذا الوطن.. بل ولقد أشارت بالفعل إحدى الصحف الخليجية لذلك صراحة من خلال انتقادات لمناخ الحرية التي كفلها النهج الديمقراطي في هذا الوطن!!
لا ينكر أحد أن الحوار هو الطريق الأسلم لطرح القضايا التي تشغل الوطن والمواطن، خاصة إذا ما كان طرفا الحوار في موقع مسؤولية وقرار.. والحوار أساساً يعني الاعتراف بالآخر.. بقصد التعايش والتعامل معه ومحاورته بهدف الوصول معاً إلى الطريق السليم.. مع الاحتفاظ بحق كلا الطرفين بالدفاع عن رؤيته ورؤاه دون أن يفقد موضوعية الطرح.
الحوار خاصة ما يتصف بطابع العلانية والنشر مثل: الندوات، والاجتماعات، ومنابر المساجد، وصفحات الجرائد.. يتطلب وبشدة موضوعية يلتزم بها صاحب الرأي.. حرص على تعميم فائدة ما يطرحه من رأي.. وتلك لا شك قضية أصبحت تثير الكثير من التساؤل والانتقاد من قبل المواطن.. خاصة بعد أن أصبح الهم الأكبر للمروجين عن آرائهم.. هو في تأكيدهم على أنهم وحدهم أصحاب الصواب، بينما يخطئ الآخرون في ما يرون، وهم في محاولاتهم تلك يبدأون في مناظرات القذف.. والتجريح.
المواطن بالتأكيد لا يدعي ولا يطالب بالاتفاق التام، والشامل لكل الجزيئات من قبل أصحاب الآراء المختلفة. فلا يوجد اتفاق دائم وشامل بين الجميع في كل الأوقات ومع كل القضايا، فلو كان الأمر كذلك لما كانت هناك حاجة للدعوة إلى حوار.
لكن المواطن يملك ولا شك الحق في الاعتراض على الخروج بقضايا الوطن عن مسارها، وتسخير تلك الطاقات لاستعراض خلافات شخصية بحتة، وإهدار وقت المواطن في متابعة فضائح أصحاب الرأي والقرار في ما بينهم.
المواطن لا تعنيه حادثة أو قصة في تاريخ الوزير الفلاني، ولا علاقة شخصية أو أخبار خاصة للنائب الفلاني، طالما أنها لا تتداخل في واجباته تجاه عمله أو في أدائه وعطائه للوطن والمواطن؛ وإذا كانت مثل تلك الأمور الشخصية تثير حفيظة البعض، فبالإمكان طرحها ونقاشها بعيداً عن محيط المواطن، ودون أن تمس أو تقلص من التركيز على قضاياه الأساسية.
لقد استطاعت المجتمعات الصحيحة أن تنأى بالمواطن، وقضايا الوطن الرئيسية، عن المهاترات غير المجدية، وأسلوب سرد الفضائح والقضايا الشخصية، وذلك بحرصها على مبدأ تعميم الفائدة في ما يطرح، فنشأت بذلك صحافة الفضائح.. والتي هي أشبه بحال صحافتنا هذه الأيام.
لا شك أن أجهزة الإعلام بكافة أشكالها، أصبحت هي الأسلوب الحديث في التحاور وتبادل الآراء، والحوار أصبح ولا شك مفتاحاً لدفع قضايا الوطن إلى الأمام.. وحاجتنا إلى حوار حقيقي خلاق تترجمها حالة الركود التي أصبحت تعتري قضايا الوطن، وهي قضايا لا سبيل إلى إصلاحها إلا من خلال إدراكنا لأسلوب الحوار والجدل بالتي هي أحسن.
