الأرشيف

الحنكة الإعلامية المطلوبة

[القبس 20/5/2001]

لا شك في أن دور الإعلام قد تضاعف كثيراً مع بزوغ فجر ثورة الاتصالات والمعلومات، وإذا كان الإعلام في الماضي قد شكل سلاحاً من أسلحة النضال والحروب، فإنه اليوم ثروة وجيش بأكمله، وإذا كان التاريخ قد خلد رموزاً إعلامية كالألماني غوبلز الذي مهد للزعيم الألماني هتلر طريقه نحو السيطرة على القارة الأوروبية، فإن الحاضر يحمل سجلاً يدون فيه رموزاً إعلامية حديثة استطاعت أن تؤثر في موازين السياسة الدولية.
ونحن في الكويت بالذات أصبحنا أكثر المدركين لسحر ونفوذ هذا الجهاز الهام والحساس، خاصة بعد أن هزمتنا آلة الإعلام العراقي وقلبت علينا بعض المجتمع العربي، فجعلتنا المتهمين والجلادين، وخلقت من النظام الصدامي المجرم ضحية تستحق الشفقة والمساندة من العالمين العربي والدولي.
الآن وبعد مضي كل هذه السنوات على كارثة الغزو، بدأت الكويت كدولة في بلورة احتياجاتها الإعلامية بعد أن تضاعف يقينها بأهمية السلاح الإعلامي لنصرة القضايا الكويتية والتي تأتي في مقدمتها قضية الأسرى والمرتهنين، وشهدنا بعضاً من ملامح تلك الصحوة الإعلامية في مؤتمر عمان الأخير الذي حققت الكويت من خلاله مكاسب إعلامية مثمرة.
وزارة الإعلام بدأت مؤخراً في رسم سياسة إعلامية جديدة، أو كما عبر عن ذلك أحد المسؤولين في وزارة الإعلام، الذي أكد حاجة الإعلام الكويتي لأدوات حديثة وفاعلة للتصدي للهجمات الإعلامية العراقية، وأن ذلك يحتاج للغة إعلامية محترفة ذات مستوى فني عالٍ ولعناصر قادرة ومميزة ومحترفة تستطيع أن تتعامل مع كل هذا النشاط والذكاء الإعلامي من حولنا. لكن الوزارة وبكل أسف لم تنجح كثيراً في ترجمة تلك الرغبة والتطلعات الإعلامية بصورة صحيحة، فجاء إعلانها الأخير عن تعيين بعض الملحقين الإعلاميين في دول صديقة وشقيقة محبطاً ومتناقضاً مع ما عبرت عنه الوزارة حول حاجتها لذكاء وحنكة إعلامية في برنامجها الجديد للدفاع عن قضايا الكويت العادلة.
هنالك ولا شك شواهد لصلاحية “سين” من الناس ليكون ملحقاً إعلامياً، بعض تلك الشواهد يتعلق بخبرته في المجال الإعلامي، وبنشاطه كفرد سواء على المستوى المحلي أو خارجه، ولا تتضمن تلك الشواهد تفوقاً أو تميزاً أكاديمياً، بمعنى أنه لا يشترط أن يحمل الملحق الإعلامي درجة أكاديمية محددة، بقدر ما يشترط ذلك العمل درجة معينة من التجربة الإعلامية، والتجارب المحنكة التي تؤهله لخوض الساحة والمجال الإعلاميين.
مؤخراً تم انتداب شخصيتين أكاديميتين من وزارة التربية والتعليم العالي إلى وزارة الإعلام، حيث تسلمت كل من تلك الشخصيتين مكتباً إعلامياً في دول حساسة تسعى الكويت من خلالها إلى تحقيق مكاسب سياسية على المستويين الدولي والعربي.
ولا نتصور أن أياً من هاتين الشخصيتين يملك المؤهل أو الحنكة الإعلامية اللازمة لإدارة جيدة وفاعلة لتلك المراكز الإعلامية الكويتية، وأخشى ما نخشاه أن تكون هنالك اعتبارات أخرى أو “مؤهلات” خفية، ليس من ضمنها المؤهل الإعلامي، قفزت بهاتين الشخصيتين فوق كل الشروط الوظيفية ودفعت بهما إلى سدة وصدارة المشروع والمخطط الإعلامي الكويتي الجديد.
لا نعلم بعد كيف تجاوزت وزارة الإعلام في تعييناتها تلك، كل هذه الكفاءات الإعلامية المشهود لها بالتجربة والممارسة وقفزت إلى ساحة التربية والتعليم والجامعة “لتستعير” منها من يتحدث باسم وزارة الإعلام.
المكاتب الإعلامية اليوم، شأنها شأن المكاتب العسكرية، تشترط درجة من اللياقة والتأهيل التي لا يمكن أن يوفرها سوى التمرين المستمر في ساحة المعارك العسكرية وجبهات الحروب والقتال، ومثلما يترأس المكتب العسكري عسكري مؤهل، فإن المكتب الإعلامي يتطلب إعلامياً محنكاً، والحنكة الإعلامية لا يوفرها المؤهل الأكاديمي فقط وإنما الممارسة الإعلامية المباشرة الذكية والمخضرمة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى