
منذ ما يقارب الشهر قام السفير الأمريكي بزيارة لكلية العلوم الإدارية، تحدث خلالها مع طلبة الكلية حول شؤون المنطقة، وعن موقف الإدارة الأمريكية من الأحداث العالقة.
وعلى الرغم من أن هدف الزيارة لم يكن معلناً بصراحة. إلا أن الذين تابعوا محاضرة السفير الأمريكي لم يجدوا صعوبة تذكر في تبين ذلك الحرص الشديد الذي عبر عنه السفير من خلال حديثه، في سبيل تعليل وتفسير أسباب انحراف السياسة الأمريكية الخارجية عن الخطوط الرئيسية في النظام الدولي الجديد، والذي يفترض أن يكون قائماً على أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومستنداً على العدالة والشرعية في العلاقات الدولية بالإضافة إلى الاهتمام الشديد الذي يوليه النظام العالمي الجديد لقضايا البيئة والتلوث وكل ما يتهدد الحياة البشرية من مخاطر وأوبئة.
وحرص السفير على إيضاح أن أسباب انحراف السياسة الأمريكية الخارجية يعود لتنامي استياء دول الجنوب وخاصة المنطقة العربية من الاختراقات الأمريكية لبنود وشروط النظام العالمي الجديد.
فالاختراق المباشر لشرط العدالة وحقوق الإنسان، ومن الطرف الأمريكي على وجه الخصوص، أصبح السمة الأساسية في التعامل مع قضية الصراع العربي الإسرائيلي حيث تميل كفة “العدالة” الأمريكية لصالح الجانب الإسرائيلي بدرجة أفقدت عملية السلام مضمونها ومغزاها. وأصبحت معها حقوق الإنسان مشروعاً تتمتع به إسرائيل والمستوطنات اليهودية، دون الطرف الآخر في قضية النزاع.
أما قضايا البيئة والتلوث، فلقد عانينا ونعاني منها في هذا الوطن كما في دول منطقة الخليج. حيث دمرت الحرب “شبه النووية” الأرض والماء والزرع، مما انعكس مباشرة على الصحة النفسية والجسمانية للبشر فيها. ولا تزال الأعراض باقية والأضرار متزايدة، والتلوث في أوجه، مع استمرار المناورات بالذخيرة الحية، والتي لا يكاد يمر شهر دون أن يعلن عنها بصورة ضاعفت وبدرجة مأساوية من أمراض الأورام السرطانية وأمراض الصدر والحساسية بالإضافة إلى الأمراض الجلدية.
وعلى الرغم من محاولة السفير تلك لتبرير هذه الاختراقات والتجاوزات الأمريكية لشروط النظام العالمي الجديد، إلا أن الحظ لم يحالفه وكان الفشل من نصيب محاضرته، بصورة جعلتها مملة وباردة، وضعيفة الحجة، خاصة أمام الحماس الذي أبداه طابور طويل من الطلبة المعقبين والمستفسرين عن بعض النقاط التي أثارها السفير في حديثه، والذين أصروا على أن لا تبرير لذلك الانحراف في السياسة الخارجية الأمريكية ولا عذر.
يقال إن من الأسباب الرئيسية وراء زيارة السفير الأمريكي لكلية العلوم الإدارية، ومحاضرته بشأن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة حاضراً وماضياً ومستقبلاً، أسباباً تتعلق بوجود تحرك طلابي ضد أمريكا يقوده أحد الأساتذة في الكلية، خاصة في أعقاب التوسع في بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة، والامتداد إلى داخل القدس.
وسواء كان ذلك حقيقة أم لا، فإنه لا يمنع من القول إن هناك تراجعاً كبيراً في تقدير الدور والمساهمة الأمريكية في منطقة الخليج بوجه خاص، والذي بلغ أوجه إبان مرحلة الغزو وما أعقبها من حرب.
لقد استبشر العالم خيراً عند الإعلان عن النظام الدولي الجديد، والذي كان يعني عالماً خالياً من الحروب والمعارك، عالماً نقياً خالياً من التلوث النووي والبيئي، عالماً اختفت منه معارك الاستقطاب ودوافعها بعد أن خمدت الحرب الباردة، وانهار المعسكر الشيوعي وتلاشت الحاجة إلى التسلح والقتال.
كان ذلك هو الحلم العالمي الجديد، غير أن الحقيقة كان لها وجهها الآخر، فالحوار مع أمريكا لا يشترك ديمقراطية وحرية بل حماية للمصالح والفائدة. والتعاون معها لا يعني مشاركة بل تبعية بحتة وانصياعاً تاماً.
لذا فإنه وعلى الرغم من كل التفسيرات التي صاحبت الإعلان عن محاضرة السفير فإن زيارته لكلية العلوم الإدارية تأتي متفقة تماماً مع المفهوم الأمريكي للحوار والتعاون.
