
كان قدماء الرومان يحكمون على من يُتهم بقضية أخلاقية “بالموت المدني” وهو حكم يقضي بحرمان المواطن من كافة حقوقه السياسية.. ليعيش كعضو سلبي في مجتمعه.. وبمعزل عن أي نشاط سياسي.. ليس له الحق في ممارسة حقوق المواطنة، ونحن بدورنا.. نحكم على الكثيرين من أبناء هذا الوطن “بالموت المدني”.. دون جرم اقترفوه.. نحكم عليهم بأن يكونوا أفراداً ثانويين في مجتمعهم.. بتجريدهم من حقهم في أن يكونوا مسؤولين عن المساهمة في بناء وطنهم. فئة مواطني الجنسية الثانية مثال ناطق على إخلالنا بمبدأ المساواة المجتمعية بين المواطن.. تتحول معه كل شعاراتنا عن وحدتنا الوطنية إلى ضجيج مفتعل خاو وبلا محتوى.
فبعد أن هبَّ الشعب.. بكل فئاته لملاقاة العدو الأرعن..
وبعد أن حطم الشعب.. كل الشعب بإرادته مخطط العدو.. بإصراره على العصيان المدني.
وبعد أن انصهر كل أبناء الوطن في بوتقة واحدة للنضال من أجل الوطن.
وبعد أن أكد الجميع على ديمقراطية القرار إبان الاحتلال البغيض.
وبعد أن تأزرت الجهود.. كل الجهود لشرح الموقف الكويتي.. وتعرية العراق دولياً.
وبعد أن بلغ التلاحم البطولي أقصاه أمام آلة الحرب العراقية المتعجرفة.
وبعد أن تسابقت الدماء.. كل الدماء لرفع راية الوطن.
وبعد أن ألهبنا مشاعر العالم بترابطنا وتلاحمنا.. وبعد أن نجحنا حتى في إخراج العراق من ملاعب الكرة.. عدنا نتناقل من جديد.. وعدنا نشك في من يحق ومن لا يحق له ممارسة حقه الطبيعي في المواطنة!!
فإذا كان نظام الحكم في الكويت ديمقراطياً وفق الدستور.. والسيادة فيه للأمة والتي هي مصدر السلطات.. وإذا كان المغزى من وراء تطبيق الديمقراطية هو تحقيق وتطبيق مبدأ السيادة الشعبية وحق المشاركة والمشاورة.. وإذا كان القصد والغاية من وراء تحقيق السيادة الشعبية.. هو تأمين وتأكيد مبدأ الحرية والمساواة السياسية لأفراد الشعب كافة من خلال تأمين الممارسة الصادقة والصحيحة للسيادة الشعبية.. إذا كان كل ذلك هو مفهوم ومدلول الديمقراطية.. فما يتبع إذا.. إننا نجزم بذلك أن المواطنين سواسية في الكرامة الإنسانية.. وهم بذلك لا بد وأن يكونوا خاضعين وبالتساوي لذات الحقوق والواجبات.
فإذا كان المواطن هو الأساس في أي نظام ديمقراطي.. بحيث تسخر الدولة كل جهودها وإمكانياتها للحفاظ على حقوقه وتقدمه ورخائه.. فإنه من أولى واجبات هذا المواطن العمل على الدفاع عن تلك الحقوق.. من باب الدفاع عن ذاته.. وذلك بالالتزام بالواجبات السياسية.. والتي يقوم بها المواطن انطلاقاً من حرصه على الحفاظ على تلك الحقوق.. ومن هذه الواجبات السياسية الحفاظ على تراب الوطن.
والذي بدونه لا يمكن للمواطن أن يتمتع بتلك الحقوق ولقد أبلى الجميع سواء كانوا مواطنين أساسيين أو ثانويين بحسب التصنيف القائم.. أبلوا بلاءً سيحفظه لهم تاريخ هذا الوطن. فحين استصرخ الوطن ضمير أبنائه لم يتوان أحد.. ولم يتلكأ أحد ريثما ينظر في ما أغفله له الوطن من حقوق.. وامتزجت الدماء دون تمييز.. وامتلأت السجون دون تدقيق في من يحق ومن لا يحق له الدفاع عن الأرض. وحشدت كل الطاقات بهدف تجاوز المحنة.. وانطلقت حركة المقاومة بجهود الجميع.. ومع ذلك كله فإن ذلك القدر الضئيل والمتواضع من الواجبات. لم تفرضها سلطة قهرية.. ولا قوانين جبرية.. وإنما منبعها ضمير المواطن ذاته.. نابعاً من حقه في ممارسة ذلك الدفاع.
لقد جاءت تجربة الاحتلال لتسطر أروع صور التلاحم بين أبناء هذا الوطن.. انصهرت معها كل الخلافات.. وكل الفروق.. وأصبحت معها المواطنة حقاً مارسه الجميع.. وجنى الجميع ثماره بعودة الوطن.
وحين عاد الوطن.. تقلصت أحلامنا الكبيرة.. وأنزوى الوطن خجلاً من ممارسات تجاه أفراد.. لا نستطيع وصف منعه من ممارسة حقوقهم الانتخابية بأقل من كونه انتقاصاً من وطنيتهم.. وتمييزاً بشأنهم.
فإذا كان الحكم الديمقراطي في الكويت قد جاء بناء على طبيعة تكوين هذا البلد من حيث أنه ومنذ البداية قد قام على أساس من التراضي والتشاور بين الحاكم والمحكوم. واستمر هذا الوطن متماسكاً كنتيجة طبيعية لنجاح أهله دوماً في التماسك والحفاظ عليه بوحدتهم الوطنية.. والتي شبَّت وترعرت أصلاً على احترام هذا العقد الاجتماعي مع بداية نشأة الوطن. فإن ذلك يقودنا إذاً إلى حقيقة أن المواطنة حق طبيعي لا يمكن انتزاعه.. كما لا يحق لأحد أن يسبغه على أحد دون الآخر.. والمواطنة قبل أن تكون حقاً في المشرب والملبس.. هي حق في المشاركة والمساهمة.. والمواطن حين يجرد من ذلك الحق.. فإنما قد جُرّدَ من حقه في انتمائه لوطنه.. وكما أن الدستور الكويتي قد حرم إسقاط الجنسية عن أي مواطن ما لم يكن متهماً بالخيانة العظمى.. فإن إسقاط حق الانتخاب عن فئة الجنسية الثانية تتم دون أي تهمة.. فنكون بذلك كقدماء الرومان نطبق بحق هؤلاء حكم “الموت المدني”.. إلا أن الفارق هنا أن الحكم يصدر دون أن يدان المحكوم عليه بأي تهمة.
إن المتطلع بعمق إلى الأوضاع التي يعيشها هؤلاء الأفراد في مجتمعهم.. ليحس بالمرارة والألم.. فما زالت قضية ممارسة مواطنين كويتيين لحقوقهم الانتخابية قيد الدرس والبحث والتدقيق.. وما زالت الأدراج الكبيرة ملأى بقوانين تعفنت ولم تطبق بعد بشأن هؤلاء الأفراد.. يتخلل طابع التأجيل والتسويف أغلبها..
إن مشكلة هؤلاء أنهم يتحملون وزر أخطاء أقرتها ومارستها الحكومة في الستينيات لأسباب انتخابية لا تخفى على أحد.. ومبررات واهية بأن الجنسية قد أعطيت لبعض دونما استحقاق.
إن شعار الأسرة الواحدة الذي نرفعه دوماً.. لا يزيد عن كونه تشدقاً بألفاظ رنانة لا تلقى صداها في مجتمع يصر على تقسيم أفراده إلى فئات ويخل بأبسط قواعد المساواة المجتمعية بين المواطنين ليخلق معه مجتمع طبقات.. تتحول معه مقاييس ومعايير خدمة الوطن لتصبح العبرة بالاسم الذي يحمل.. لا بالعمل الذي ينجز ومدى فائدته للوطن.
إن تأكيد حق هؤلاء المواطنين.. في المساهمة في تشييد ديمقراطية الوطن من جديد.. ودون انتقاص أو تقليص لذلك الحق.. أو تأجيل له.. هو خطوة إيجابية لدرء ضرر فادح قد يلحق بالوحدة الوطنية لأفراد هذا الوطن.. تلك الوحدة التي صمدت في زمن الشدائد والمحن.. واستبسلت في الحفاظ والذود عن الوطن.. إلا أنها تبددت وتبعثرت عند مفترق الطريق بين حق المواطنة واللامواطنة!!
