ملفات ساخنة

الحشد الدولي.. مرة أخرى

الحشد الدولي.. مرة أخرى

تداعيات مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية.. و(يوم الاثنين العظيم).. والتعامل الأمريكي الغربي مع متطلبات المرحلة الحالية من الصراع العربي – الإسرائيلي.. كلها شواهد تؤكد حقيقة واضحة وماثلة للعيان.. وهي أن لا ثوابت في العلاقات السياسية.. سوى المصلحة.. وأن أي وضع مهما بلغت حدة وعنف التعامل معه.. قد يتغير الأسلوب.. إذا ما اقتضت المستجدات والمتغيرات الدولية ذلك.
وانطلاقاً من ذلك المفهوم لحقيقة الثوابت في العلاقات السياسية.. نستطيع أن نتفهم ونستوعب الحرص الغربي والأمريكي على تمويل مشروع السلام الفلسطيني.. ومساندته والتي أكدها الرئيس الأمريكي في لقائه “بعرفات”.. حيث أكد له أنه من المهم جداً التقدم بسرعة.. والاستفادة من الدفع الناجم عن التوقيع على اتفاق إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية لكي تبدأ الأمور بالتحرك على الأرض”.
ولعلَّ في كلمات الرئيس هذه.. ما يؤكد اقتناعه المطلق.. بل واعتزازه بما آلت إليه اتفاقيات السلام لكونها متناسقة تماماً مع الثابت الأمريكي الوحيد تجاه القضية والصراع!! بل ولا يخفي الرئيس الأمريكي إدراكه لضآلة الحصة الفلسطينية في هذا الاتفاق.. لذلك فهو يؤكد لعرفات وهو يهنئه أنه من “المهم إفساح المجال للناس لكي يشعروا بمكاسب الاتفاق”. وبالتالي.. على الرئيس الفلسطيني لغزة وأريحا.. أن يعمل بما يتفق وذلك.. حتى لا يخسر الدعم الموعود.
لقد بدأت (ثمرات) السلام تتوالى على الكيان الفلسطيني الموعود والذي سبق للفلسطينيين.. وللعرب.. رفض أضعاف ما يقدمه مشروع السلام الآن. فرفضوا “مشروع إيبان” في أكتوبر عام 68.. ورفضوا “مشروع برنادوت” والذي رفضه الطرفان الإسرائيلي.. والعربي.. في أعقاب إعلان الدولة اليهودية.. كما رفضوا “مشروع بريجنيف” في العام 82.. وإن كان قد حظي بترحيب متزن من بعض الحكومات العربية.. وهم كذلك قد سبق وأن رفضوا “مشروع جونسون” في العام 62.. وصمموا على مواصلة النضال.. والتمسك بلاءات الخرطوم الشهيرة.
ليس بهذا وقت تذكير بالهزائم والتنازلات العربية.. فحقيقة أن المعطيات التاريخية والسياسية الآن تفرض هدنة الصراع.. لكنها محاولة لاستشفاف دور عربي جديد في خضم هذه التغيرات.
لقد أعلن الغرب وأمريكا.. سعيهم وحرصهم على تشكيل تحالف اقتصادي لدعم الاتفاق مع المنظمة.. فالسبع الكبار وأوروبا واليابان والتي تعتبر دولة غربية مقارنة بتفوقها الاقتصادي والتكنولوجي يناقشون الآن سبل دعم البناء الفلسطيني والذي كان وإلى ما قبل (الاثنين العظيم) مجموعة من الإرهابيين.. يحظر العالم التعامل معهم.. لكنها السياسة ومصالحها التي لا تدين بثوابت.. سوى المصالح وحدها وإيماناً من الإدارة الأمريكية خاصة.. بكون الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يخدم دول العالم الصناعية كافة فقد جاء الإصرار الأمريكي أن لا تضطلع الولايات المتحدة وحدها بتقديم المساعدات الاقتصادية.. وإنما هو من مهام الأسرة الدولية بأسرها.. ومن هنا جاءت المبادرات الفرنسية.. والألمانية.. واليابانية لحشد الدعم الاقتصادي من أجل مساعدة جميع الأطراف على تنفيذ الاتفاق.
الأسرة الدولية التي تسعى إلى دعم البناء الفلسطيني.. هي ذاتها الأسرة الدولية التي أصرت وساهمت في تحرير الوطن.. وتلك رسالة تأتي بصورة غير مباشرة لتذكر بحقيقة وماهية الثوابت في عالم السياسة.. فعدو اليوم ليس بالضرورة عدو الغد.. والتعامل الساذج والعاطفي مع المعطيات السياسية.. قد كبد العرب خسائر كبيرة إن على المستوى البشري.. أو الاقتصادي.. أو السياسي.
الحشد الدولي القائم الآن لدعم “الإرهابي سابقاً” “ياسر عرفات” ومنظمته.. والذي أصبح صديقاً للبيت الأبيض.. ومستحقاً لجائزة السلام المقدمة من اليونسكو.. والتي هي منظمة دولية تساهم فيها كل الأسرة الدولية… هذا الحشد يحمل في إطاره رسالة صريحة لنا في هذا الوطن الصغير.. بأن محاولات التقرب الآن من قبل دول الضد التي ناصرت وساندت العدوان.. بالإمكان استثمارها لنصرة قضايا الوطن التي ما زالت عالقة.. كقضايا الحدود.. والأسرى والاعتراف بالوجود.. حتى لا يأتي يوم نطالب فيه بما نرفضه الآن!!
لقد سبق وأن ترجم التاريخ لنا حقيقة الثوابت في العلاقات السياسية.. من خلال تجربة مشروع “مارشال” بعد الحرب العالمية الثانية.. والذي تكفلت الولايات المتحدة بمقتضاه بإعادة بناء وتمويل أوروبا.. وبالأخص عدو الأمس آنذاك ألمانيا النازية وها هو التاريخ الآن.. يعيد علينا حقيقة مغزى الثوابت في عالم السياسة والمصلحة.. وإذا كانت التكلفة التي سيدفعها الوطن الآن بمقتضى المشروع الأمريكي لدعم البناء الفلسطيني.. هي تكلفة مالية وسياسية.. فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بمقدار التكلفة لو أن الثابت الأمريكي تغير.. وأصبح “صدام حسين” رجل سلام!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى