تقارير وحوارات

الحسد أو العين..الأسطورة والسحر عبر التاريخ

“الحسد”.. أو “Evil Eye”.. أو العين.. أسماء مختلفة تطلق على ذلك الاعتقاد الوارد في كل الثقافات على اختلافها الزمني والمكاني.. فالاعتقاد بالحسد موجود في المجتمعات العربية والإسلامية.. كما هو في المجتمعات الغربية.. وهو كذلك موجود في كل الثقافات وعلى مرَّ العصور التي عبرها البشر في تاريخهم الطويل.. ولكن ما هو أصل الحسد وما هي أصوله التاريخية والثقافية؟

الثقافة الهندية القديمة تعتقد بأن العين أو “Akashi” هي من الأعضاء المستقبلة.. وهي بذلك عضو محايد إلا إذا ما تجاوز الغرض من العين.. تجاوز النظر.. والثقافة الهندية تعتقد بأن العين.. والتي هي آخر الأعضاء في العمل.. باعتبار أن الإبصار هو القدرة البشرية التي لا تبدأ بالعمل إلا فيما بعد الولادة.. بينما تبدأ باقي أعضاء الجسم عملها قبل ذلك.. أي في مرحلة حضانة الرحم.. لذلك فقد جرت العادة في الثقافة الهندية.. أن تكون العين هي آخر الأجزاء التي يتم إنجازها في أعمال النحت.. ويتم ذلك.. في عملية روحانية يطلق عليها “Eye-unclosing” أو عملية تصاحبها مرحلة صلاة وتأمل “Meditation” والهنود يعتقدون بأن الموتى يفقدون البصر.. وهم بذلك بحاجة إلى أن تعاد لهم أبصارهم عن طريق مناسك وصلوات معينة يطلق عليها “Dlakshu-dana” أي منح البصر – أو إعادة العين والاعتقاد كذلك أن نظرات الروحانيين والمفضلين من البشر Darsana تمنح الفضيلة.. والحظ للإنسان.. ومن هنا جاءت أهمية وفضيلة زيارة الناس لزعمائهم الروحانيين.. أو زيارة الحجيج للأماكن المقدسة.. وذلك للاستمتاع بنظرة.. أو أعين أولئك الروحانيين.
رمز الشمس
أما في الحضارة المصرية القديمة.. فقد اكتسبت العين أهمية قصوى.. وحيث تمثل العين بالنسبة لهم رمزاً للشمس والحياة.. وكثير من قدماء المصريين يرتدون أيقونة من الذهب.. أو الفضة.. أو من الأحجار الكريمة.. ويطلق عليها “uzel-eye”.. وهي تعطي حاملها الصحة.. والقوة وحرارة الشمس.
وتحكي الأساطير المصرية القديمة.. أن إله الشر “سث” “Seth” اقتلع عين الإله  حورس “Hours”. وعندما ذهب “حورس” للبحث عن والده الميت “أوزيريس “Osiris”.. ليبعثه إلى الحياة من جديد.. اصطحب معه العين.. وأعطاها “لأوزيريس” لتبعث الحياة فيه من جديد.. وما أن استلم “أوزيريس” العين حتى أصبح روحاً.. أو منح حياة جديدة في العالم الآخر.. وبذلك أصبحت عين “حورس” رمزاً لطقوس الدفن التي يجب أن يوفرها الابن لأبيه وذلك هو السر في رسومات الأعين على الأكفان المصرية القديمة.. والتي تحرس الميت من الأذى.
بل وتعود العين إلى أبعد من ذلك.. وحيث اكتشفت آثار في قبرص.. وكريت.. وإيطاليا.. ومالطا.. وبريطانيا تعود إلى العصر البرونزي.. وحيث يرمز للإله الأم بعينين.. وجدت على أكثر من أثر من العصر البرونزي.. بين أوان.. وأحجار.
لذلك فإن الحسد أو الـ “Evil Eye” يعود بعيداً في أغوار التاريخ والثقافات.. والخوف الآن من العين.. يعود إلى خوف بدائي من مراقبة ونظرات الأشرار أو الأعداء.. وحيث كان الإنسان البدائي لا يخاف من عين قرينه الإنسان وحسب وإنما كذلك من أعين الآلهة.. والتي كانت تنظر للإنسان بحسد من كل تلك الخيرات التي يجنيها من الأرض..
ولعلَّ المفهوم الحديث للحسد ومن أن للعين قدرة على إرسال إشعاع قد يؤذي تحت ظروف معينة.. قد جاء من نظرات الحسد الصادرة من أعين الآلهة.. والشياطين.. لدى الإنسان البدائي.
العلاقة مع السحر
يقال أن للحسد أو للـ “Evil Eye” مصدرين.. مصدر طوعي.. يدفعه الحقد والكره.. ومصدر غير طوعي أو عفوي.. والذي لا يملك صاحبه أن يتمالكه.. وهو يأتي من الحيوانات غالباً لذلك فإن السحرة لدى بعض قبائل الهنود في وسط أمريكا.. ينشغلون دوماً لدفع ذلك المصدر العفوي من الحسد.
أما بالنسبة للإنسان المتأثر بالعين أو الحسد.. فلا يهم كثيراً مصدر العين.. خاصة وأن الآثار التي تتركها هي واحدة.
علاقة العين بالسحر والسحرة.. كانت علاقة متفقاً عليها من الغرب في القرن التاسع عشر.. فهناك أسطورة في أمريكا.. تحكي قصة انتقام امرأة من أحد المنازل وذلك لرفضهم إعطاءها طعام الإفطار.. وبحيث كانت نظرة واحدة من عين تلك المرأة تكفي لإغلاق كل أبواب المنزل.. بحيث لا يستطيع أحد المغادرة وهناك أساطير إنكليزية كذلك.. تحكي عن سحرة يقتلون الخنازير ويكسرون أربطة الثيران.. وكل ذلك بمجرد النظر وقد كان الاعتقاد الشائع في تلك الفترة.. أن “العين” بحاجة للتأكيد على قدراتها وقوتها.. وفي أجزاء من بريطانيا.. كان الاعتقاد بأن ذلك يكون بدفن تسع ضفادع أحياء تقوي قدرة العين.. وبحيث كانت إحدى الساحرات والتي قتلت في العام 1957 تحتفظ بصندوق مليء بالضفادع تحت سريرها لتقوية قدراتها، أما في اسكتلندا فقد كان الاعتقاد بالعين.. والحسد.. يدفع المزارعين إلى تقديم الحليب لأي غريب يطيل النظر إلى قطيعهم في الحقول.. وذلك تحصيناً لهم من عين الغريب.. أما المرأة التي أنجبت طفلها.. فإنها تعمد إلى إغراق البيت بالبول لحمايتها ووليدها من العين والحسد!!
تضليل الأرواح الشريرة
لعلَّ من أكثر الوسائل شيوعاً للوقاية من الحسد أو “العين” هي في إخفاء أولئك المعرضين أكثر من غيرهم للإصابة بالعين.. فقد يغطى الطفل الوليد بالطين إشارة إلى أنه لا يملك ما يحسد عليه.. أو بارتداء الأولاد لملابس أخواته.. وذلك لتضليل الأرواح الشريرة، كذلك تستخدم بعض النباتات للوقاية من العين.. كنبات النبا “Sage” أو إكليل الجبل “Rosemary”.. وقد يستخدم الثوم.. كما هو الحال في اليونان.. وإيرلندا.
الأحجار الزرقاء
إن النظرة الأولى.. خاصة إذا ما أتت من زاوية جانبية.. هي الأكثر خطراً.. وللوقاية من مثل هذه الحالة.. تكون بارتداء أيقونة تحمل صورة ضفدع.. وذلك لامتصاص السم أو الخطر من العين.. أو بارتداء مسبحة عليها صورة أعين.. أو عقد من اللوز الأبيض وخاصة للأطفال.. وحيث كان الاعتقاد بأن حبات اللوز ستتحول إلى اللون الأسود إذا ما كان الطفل معرضاً لخطر العين، أما اللون الأزرق.. فهو المفضل دوماً للحماية من العين.. حيث يعتقد في شمال أوروبا أن الأحجار الزرقاء تحمي من العين ولعلَّ أكثر الوسائل غرابة.. هي في تغيير اتجاه العين والتي تعتبر واحدة من أقدم الوسائل.. وحيث يغتسل المصاب بالعين بماء تلقى به قطعة من النحاس.. ثم تعطى قطعة النحاس هذه إلى فقير أعمى.. أملاً في إعطائه الإصابة بدلاً من الشخص المصاب.
إن أكثر ما يخيف البحارة.. وعاملي المناجم.. وغيرهم، من المهام الصعبة مصادفتهم لشخص يكون أحول العينين.. أما ممثلو المسارح فتقلقهم جداً رؤية ريش الطاووس على المسرح.. إلى درجة أن طيور الطاووس قد أبعدت من مبنى الأمم المتحدة في العام 1965.. وذلك للحساسية المفرطة التي انتابت بعض أعضاء الإرساليات.
إن أكثر الشخصيات التاريخية شهرة بالعين هو الإمبراطور “نابليون الثالث“.. وملك إسبانيا “الفونسو الثالث عشر” والشاعر “لورد بيرون” أما الديكتاتور الإيطالي “بنيتو موسوليني” فقد كان يرفض السفر مع اثنين من النواب اللذين اشتهر عنهما الحسد والعين.. وهناك كذلك أمثلة كثيرة من التاريخ الحديث؛ ففي العام 1966 حاول أحد الإيطاليين المشعوذين.. أن يصيب فريق الكرة المنافس لفريقه المفضل بالعين.. وذلك من خلال استخدام أساليب مشعوذة ضد فريق “إنترناشيونال” “International” لقد استطاع الطب الحديث الآن.. أن ينفي الكثير من تلك الأفكار القديمة.. وأن يجد تفسيراً لكثير من الأعراض التي كانت تفسر بكونها من العين والحسد.. ومع ذلك فما زال الخوف من العين والحسد قائماً.. حتى في أكثر المجتمعات علماً ومعرفة.. فما زالت عين “الملك بالور” التي ينبعث منها الموت.. حاضرة بين طلبة المدارس في بلد مثل إيرلندا.
الخوف المرضي
لقد أصبح العلم الحديث يطرح كثيراً حقيقة ومصدر العين والحسد.. وبحيث قامت أبحاث كثيرة للتعريف بهذه المعتقدات ومع ذلك فلا يزال الاعتقاد بالعين قائماً.. خاصة في مناطق ودول كإسبانيا مثلاً.. وحيث جرى الاعتقاد أن العين تصيب المرأة المرضع.. ويجف حليبها تماماً بفعل الحسد.
ومع ذلك فإن الكثير من علماء العصر الحديث.. يفسرون منشأ الخوف من العين.. سواء في الماضي أو في الحاضر.. بكونه نوعاً من الخوف المرضي “Phobia”.. وأن الأشخاص المصابين بالعين هم من يعانون من مشاكل عاطفية.. ومن هم مرهفو المشاعر.. وبحيث يرى العلم الحديث أن منشأ الاعتقاد بالعين.. عائد بالدرجة الأولى إلى مصادر قلق لازمت الإنسان منذ عهده الأول.. فهي مخاوف ورثها الإنسان من مخاوف القدماء وصراعهم الأبدي مع الآلهة للوصول إلى السعادة.
يفسر الكثير من علماء النفس.. مسألة الحسد أو العين.. بأنها مظهر لمشاعر عدائية يتم اكتسابها والاحتفاظ بها داخلياً في النفس البشرية.. وذلك بسبب إحساس بضرورة معاقبة النفس لفشلها من تحقيق أغراض معينة. وكما قال أحد علماء النفس.. أن العين هي نتيجة طبيعية لمحاولة إرجاع الإحساس بالفشل والعجز إلى مصادر أخرى.. أقربها إلى أولئك الذين يشعرون بالغيرة من إنجازات الغير. وبهذا التفسير.. فإننا جميعاً نكون ضحايا العين أو الـ “Evil Eye”.. طالما أنها تمثل الشيطان الدائم ممثلاً بالفشل.. الذي يقف لتحطيم أي محاولة نجاح أو تقدم للبشر!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى