غير مصنف

الحرية.. ودكتاتورية التكنولوجيا

26إبريل2025

في كتابه «الطريق الى الحرية»، يستعرض الكاتب الأمريكي جوزيف ستيغليتز تجارب الاستبداد الغربي، حيث يستهل الكاتب، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، كتابه فيقول: «يتراجع في مختلف أرجاء العالم عدد من يعيشون في مجتمعات حرة ديموقراطية، فقد ذكرت منظمة فريدم هاوس، في تقريرها لعام 2022، أن الحريات على مدى 16 عاماً متوالية في تراجع، وأن 80 في المئة من سكان العالم اليوم يعيشون في بلاد استبدادية أو حرة جزئياً، تفتقد عنصراً أساسياً من عناصر المجتمع الحر مثل الصحافة المستقلة»، ثم يواصل ستيغليتز قوله بأن العالم يعيش اليوم في حرب عالمية سياسية وثقافية لحماية الحرية وحفظها.
أسئلة كثيرة طرحها كتاب «الطريق الى الحرية»، ونطرحها كل يوم في مجالسنا وحواراتنا، وكلها تدور حول قِيَم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والمساواة والأخوة، وغيرها من قِيَم سامية قامت من أجلها ثورات، ونَزَفَت دماء، وشُنّت حروب، وعما إذا كانت كقِيَم حاضرة حقًا في مجتمعات ودول مارست قدرًا معقولًا من الديموقراطية السياسية، أم أنها غائبة حتى من هذه المجتمعات، ولا يُشكّل حضورها، إن حدث، سوى طقوس دبلوماسية تُضفي شيئًا من الوجاهة السياسية لا أكثر ولا أقل.
جاءت ردود الفعل على قرار الملياردير جيف بيزوس، مؤسس أمازون ومالك واشنطن بوست، عنيفة من أكثر من كاتب وصاحب رأي، يرون في قرار مؤسس أمازون فَرْضْ سياسة جديدة لنشر مقالات الرأي في صحيفة الواشنطن بوست، تعدياً صريحاً على المبادئ الديموقراطية، وحرية الصحافة، في واحدة من أهم الصحف في العالم، وأن مثل هذا القرار لا يمكن النظر إليه بمعزل عن قضايا وعمليات أعمق تهدّد الصحافة الحرة، وتتناقض مع قِيَم حرية الرأي والتعبير.
لكن بيزوس ليس وحده في ذلك، فالمؤشرات في كل العالم تشير إلى انتكاسات عالمية في مؤشرات الحريات، خاصة في ظل سيطرة التيارات اليمينية وشعاراتها المعادية للهجرة واللاجئين، وإخضاع حرية التعبير والإعلام للرقابة. ولم تسْلَم من هكذا وضع حتى أعتى الديموقراطيات، كبريطانيا وفرنسا وغيرهما من دول العالم «المتقدم»، وإذا كان العالم العربي دائمًا في ذيل المؤشرات الدولية الراصدة للديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات، فإن الوضع العالمي اليوم أصبح يشهد تنافسًا على ذيل القائمة بين دول عربية وأخرى غربية، طالما حلّقت مؤشرات الحرية فيها في أعلى قمة القائمة.
قدّم سقراط الحرية على أنها قدرة الإنسان على فعل ما هو أفضل، بينما ربطها أفلاطون بالخير والمعرفة، وربطها أرسطو بالمعرفة والإرادة، لذلك جاءت الحرية كقيمة من أعلى مراتب المفاهيم الإنسانية، وهي تمتد بامتداد التاريخ البشري، لكنها اليوم تقف متعثرة في مواجهة واقع بشري جديد، قد يعيد تقييم الحرية كمفهوم وكقيمة، فالتكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال، التي أتت معها، ساهمت وبشكل كبير في تعزيز حرية التعبير وحرية الرأي، وأصبح معها هامش الحرية، الذي توفّره تكنولوجيا التواصل والاتصال، أعلى بكثير من ذلك، الذي توفّره أدوات الإعلام التقليدية، لكن ذلك ليس كل الحكاية، بل الجزء الجميل منها فقط، فالتكنولوجيا بمنصاتها وبرامجها أصبحت دولة لها مُلّاكها، ولها هرميتها، ولها قوانينها كذلك، فالمنصات اليوم تُعاقِب وتحجب وتطرد وتُحاسب من يخالفها، تمامًا كما فعل جيف ييزوس، حين فرض قرارًا بالتركيز على الحريات الشخصية والأسواق الحرة، وحظر نشر مقالات تتعارض مع هذه «القِيَم»،فهو شأنه شأن أي نظام سياسي، يملك أن يفرض أجندته الايديولوجية فوق مملكته، كذلك ايلون ماسك، صاحب الإمبراطورية التي تقوم بمهمة ترشيد أداء الأجهزة الحكومية في الولايات المتحدة، فارضًا شروطه ومحاذيره.
وبين امبراطوريات التكنولوجيا وقوانينها، والدول ذات السيادة وتشريعاتها، تقف الحرية حائرة، أي مسار تأخذ في وسط عالم تحكمه دكتاتورية تكنولوجية مختلفة، لها ايديولوجيتها ومشاريعها.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الحرية-التكنولوجيا-الصحافة المستقلة-جوزيف ستيغليتز-مبادئ الديمقراطية

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى